عاجل

خرجت من مشاهدة الفيلم السوداني "وداعًا جوليا" وأنا أفكر في العلامات الحمراء الصغيرة التي تضعها منى تحت الأطباق والأكواب المخصصة لجوليا وابنها، حتى لا تختلط بأوانيها وأواني زوجها. تفصيلة منزلية بسيطة، لكنها كانت من أكثر مشاهد الفيلم إيلامًا بالنسبة لي. فمنى تستقبل المرأة في بيتها، وتساعدها، وتقترب منها، ثم تترك أسفل الأواني ما يكشف حدود هذا الاقتراب. هناك شيء في داخلها ما زال يرفض المساواة، حتى وهي ترى نفسها محسنة.

استعدت هذا المشهد خلال الندوة التي أعقبت عرض الفيلم بالمعهد الفرنسي بالقاهرة، وشاركت فيها لمناقشته مع اثنين من أبطاله، الفنانة السودانية إيمان يوسف، التي أدت دور منى، والفنان نزار جمعة، الذي جسد شخصية أكرم، وسط حضور لافت من أبناء الجالية السودانية والجمهور المصري. منح هذا النقاش المشاهدة معنى إضافيًا، فنحن نتحدث عن تجربة سودانية، لكن الأسئلة التي تثيرها عن العنصرية والتحيز والكرامة والاعتراف بالخطأ تخصنا جميعًا، وتستحق أن نعود بها إلى سلوكنا اليومي.

الفيلم من تأليف وإخراج محمد كردفاني، وقد حصد جائزة الحرية في قسم "نظرة ما" بمهرجان كان السينمائي عام 2023. وتدور حكايته في الخرطوم خلال السنوات السابقة لانفصال جنوب السودان عام 2011. تعيش منى، المغنية الشمالية التي اعتزلت الغناء، مع زوجها أكرم. تصدم طفلًا بسيارتها وتهرب، فيلحق بها والده. وحين تستنجد بزوجها، تخفي عنه حقيقة الحادث وتصور له رجلًا جنوبيًا يطاردها. يقتل أكرم الرجل، وتجد منى نفسها أمام جريمة شاركت في صنع ظروفها، ثم تسترت على حقيقتها.

يدفعها الشعور بالذنب إلى البحث عن زوجة القتيل، جوليا، واستقدامها للعمل والإقامة في منزلها مع ابنها. تبدأ بين المرأتين علاقة تنمو مع الأيام، فيما تظل منى تخفي عنها الحقيقة. تعرف جوليا صاحبة البيت بوصفها امرأة تساعدها في محنتها، ويعرف المشاهد أنها كانت سببًا فيها. لهذا تحمل الأحاديث والتصرفات العادية بينهما توترًا مستمرًا، فالسر الذي تخفيه منى يهدد الصداقة كلما توثقت.

وقد أحسنت إيمان يوسف التعبير عن هذا المأزق. في نظرات منى وترددها وصمتها رغبة في الاقتراب، وخوف مما قد يكلفها الاعتراف. إنها تريد تخفيف معاناة جوليا، وتريد أيضًا استعادة اطمئنانها إلى نفسها. ومن الصعب، ونحن نتابعها، أن نفصل تمامًا بين الدافعين. هذا ما يجعل الشخصية مقنعة: قدرتها على التعاطف لا تحررها تلقائيًا من الأنانية، وشعورها بالذنب لا يمنحها الشجاعة بالضرورة.

أما أكرم، فتخرج منه العبارات العنصرية باعتبارها أحكامًا مستقرة على الجنوبيين. وأرى أن نزار جمعة نجح في تقديمه دون مبالغة تحوله إلى شخصية بعيدة عمن يمكن أن نصادفهم في حياتنا. يستطيع أكرم أن يكون حنونًا داخل دائرته، فيما يقسو على من يراهم خارجها. وتلك مسألة تستحق الانتباه، فكثيرًا ما نتوهم أن المحبة التي نمنحها لأهلنا وأصدقائنا دليل كاف على خلونا من التحيز، مع أن الاختبار الأصعب يبدأ عند التعامل مع المختلف عنا.

وحين يواجه أكرم زوجته بعلامات الأواني، يضعها أمام تناقض لا تستطيع إنكاره بسهولة. هي تعترض على عنصريته، لكنها تمارس بدورها تمييزًا اعتادته حتى صار من تدبير المنزل. هنا تتجاوز دلالة المشهد شخصيتيهما، فكم من سلوك ورثناه ولم نتوقف لنسأل عما يحمله من إهانة؟ وكم من مرة احتجنا إلى من يلفت نظرنا إلى ظلم نمارسه ونحن مطمئنون إلى حسن نوايانا؟

وتمنح سيران رياك شخصية جوليا حضورًا يحفظ لها كرامتها وحياتها الخاصة. نتابع امرأة منشغلة بمصير زوجها ومستقبل ابنها، تحاول أن تجد طريقًا وسط ظروف قاسية. وفي علاقتها بمنى، تقدم جوليا بدورها الرفقة والدعم، وتساعدها على الاقتراب من الغناء الذي ابتعدت عنه. وهذا التبادل مهم، إذ يسمح لنا برؤية ما تمنحه جوليا، بدل حصرها في صورة المرأة المحتاجة التي تتلقى المساعدة.

ومع ذلك، يظل تفاوت القوة قائمًا بينهما. منى صاحبة المنزل، وتملك الموارد والمعلومات، بينما تعتمد جوليا عليها في العمل والسكن. قد تنشأ مودة صادقة في هذه الظروف، لكن السؤال يبقى: ما مقدار الحرية المتاح لكل طرف؟ فمنى تستطيع اتخاذ قرارات تؤثر في حياة جوليا، وتستطيع أن تختار توقيت كشف الحقيقة أو مواصلة إخفائها. أما جوليا فتتصرف وفق ما أتيح لها أن تعرفه.

وتكشف هذه العلاقة كيف تتداخل العنصرية مع التفاوت الطبقي والقيود المفروضة على النساء. تعاني منى داخل زواج يحد من اختياراتها، فيما تواجه جوليا الفقر والفقد والتمييز. وتتيح معاناة كل منهما أن تفهم جانبًا من تجربة الأخرى، لكن هذا لا يساوي بين موقعيهما أو يعفي منى من مسؤوليتها. الإنسان الذي يقع عليه ظلم قد يمارس ظلمًا آخر، إذا لم يراجع ما يملكه من سلطة على غيره.

في الخلفية، يقترب السودان من الانفصال. والفيلم لا يقدم تاريخًا شاملًا للصراع، وإنما يتيح لنا النظر إلى بعض جذوره الاجتماعية من داخل بيت. يصبح السؤال عن الوطن مرتبطًا بطريقة معاملة سكانه: ماذا تعني الوحدة لمن يشعر أن كرامته لا تحترم بالقدر نفسه، أو أن أصله يظل سببًا للشك فيه والانتقاص منه؟ وكيف ننتظر انتماء متساويًا من أناس لا يحصلون على معاملة متساوية؟

ومن هذه الزاوية، وجدت أن الفيلم يفتح بابًا للتفكير في المصارحة والمصالحة والمسامحة. وهي معان يجري أحيانًا جمعها في دعوة عامة إلى تجاوز الماضي، مع أن لكل منها مطلبًا مختلفًا. وفي علاقة منى بجوليا يظهر مأزق محاولة إصلاح الضرر مع الاستمرار في إخفاء الحقيقة، إذ تؤجل منى الاعتراف الذي يتيح لجوليا فهم ما حدث واتخاذ موقفها منه.

الحقيقة هنا شرط لبدء الإنصاف. فمن حق جوليا أن تعرف مصير زوجها، وأن تعيد النظر في علاقتها بمنى على أساس هذه المعرفة. وإخفاء ما جرى يحرمها من ذلك، مهما كانت المساعدة التي تحصل عليها. وطوال حجب الحقيقة عنها، بأي حق يمكن انتظار مسامحتها؟

ثم يأتي السؤال الأصعب، ماذا بعد الاعتراف؟ لن يعيد الكلام من مات، ولن يمحو السنوات التي حُجبت فيها الحقيقة عن جوليا. لكنه يحمّل منى مسؤولية واضحة، ويضع العلاقة أمام اختبار جديد. فالإصلاح يقتضي استعدادًا لتحمل نتائج الحقيقة، ومنها احتمال أن يرفض الطرف المتضرر استمرار العلاقة، أو ألا يستجيب بالطريقة التي يتمناها من أخطأ في حقه.

أما المصالحة فتحتاج إلى ما يجعل الثقة ممكنة من جديد: إنصاف المتضرر، وتغيير السلوك، واحترام حقه في القرار. وهذا ينطبق على المجتمعات التي عانت التمييز أيضًا. لا تكفي الدعوة إلى الوحدة إذا ظل بعض الناس يشعرون أن أصواتهم لا تسمع، أو أن مكانتهم تتحدد بأصولهم وألوانهم. والحوار الذي نحتاج إليه يبدأ بالإصغاء إلى هذه الخبرات، حتى حين تكون مزعجة للصورة التي نحب أن نراها لأنفسنا.

وتبقى المسامحة حقًا لمن وقع عليه الأذى. قد يختارها، وقد يحتاج إلى وقت طويل، وقد يعجز عنها. لا يصح أن تتحول إلى عبء إضافي نحمله للمظلوم حتى يستريح الآخرون من مواجهة ما جرى. وأحسب أن احترام هذا الحق جزء من صدق أي دعوة إلى التسامح، لأن المسامحة تفقد معناها حين تصبح استجابة مطلوبة تحت ضغط الحاجة أو الخوف.

عدت من الندوة أفكر في المسافة بين رفض العنصرية في الكلام ومراجعتها في النفس. من السهل أن ندين عبارات أكرم، لكن مشهد تمييز الأواني يضعنا أمام اختبار أقل راحة، وهو أن نفتش في تصرفاتنا نحن، وفي المزاح الذي نقبله، والأحكام التي نطلقها على شخص قبل معرفته، والطريقة التي نعامل بها من يعملون في بيوتنا أو يختلفون عنا في اللون والأصل.

لهذا بقيت تلك العلامات في ذهني. إزالتها فعل صغير، لكنه يتطلب أولًا أن تراها منى بوصفها إهانة، بعد أن كانت تراها أمرًا عاديًا. وربما تبدأ مراجعتنا نحن من هنا أيضًا، من سلوك اعتدناه، ثم نمتلك الشجاعة لنسأل من يتأذى منه. وعندها تصبح المصارحة مسؤولية نتحملها، والمصالحة عملًا نثبت جديتنا فيه، وتبقى المسامحة لمن يملك حق منحها.

تم نسخ الرابط