إن من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان نعمة الأمن، فهي إحدى الركائز الأساسية لاستقرار المجتمعات وازدهارها. ولا يقتصر مفهوم الأمن على حماية الأنفس والأموال والأوطان، بل يمتد ليشمل حماية العقول من التضليل والانحراف، وصيانة المجتمع من الغلو والتطرف والشائعات والأفكار الهدامة.
ومن هنا تبرز أهمية الأمن الفكري بوصفه أساسًا للوعي الرشيد والاستقرار المجتمعي، وهو ما يتطلب ترسيخ الفهم الصحيح للدين، وتعزيز الوسطية والاعتدال، والتثبت من الأخبار، ونشر ثقافة الحوار واحترام الاختلاف، وحماية الشباب من الاستقطاب، وتكامل مسؤوليات الأسرة والمؤسسات، وترشيد التعامل مع المحتوى الرقمي، وتعزيز الانتماء الوطني، وتنمية مسؤولية الفرد في نشر الوعي ومواجهة الانحراف. وهي محاور تتكامل فيما بينها لتحقيق الأمن الفكري وحماية المجتمع.
الأمن أعظم نعمة من نعم الله، ولِمَ لا يكون الأمن أعظم نعم الله؟ وبه يُعبد الله في أرضه، وبه تُحفظ الدماء أن تُراق، والأعراض أن تُنتهك، والأموال أن تُسلب، والأرض أن تُغتصب. وهكذا، فإن كل عبادة مردُّها في الأساس إلى نعمة الأمن.
ولذا قدَّمها السياق القرآني على طلب الرزق والمنافع المادية، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: 126].
وقال جل شأنه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35].
فإبراهيم عليه السلام جمع في دعائه بين الأمن الشامل لحفظ الأنفس والأموال والأعراض، وبين الأمن الخاص، وهو تحقيق العبودية التامة لله رب العالمين.
وإنما قال: «بَلَدًا آمِنًا» على التنكير، وقال: «هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا» على التعريف، لوجهين:
الأول: أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جُعل بلدًا، فكأنه قال: اجعل هذا الوادي بلدًا آمنًا. والدعوة الثانية وقعت وقد جُعل المكان بلدًا، فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيَّرته بلدًا ذا أمن وسلامة.
والثاني: أن تكون الدعوتان قد وقعتا بعدما صار المكان بلدًا، وهذا إنما يُذكر للمبالغة في وصفه بالأمن؛ لأن التنكير يدل على المبالغة. فقوله: «رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا» معناه: اجعله من البلدان الكاملة في الأمن، وأما قوله: «رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا» فليس فيه إلا طلب الأمن، لا طلب المبالغة فيه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا».
فمن جمع الله له بين عافية بدنه، وأمن قلبه حيث توجه، وكفاف عيشه بقوت يومه، وسلامة أهله، فقد جمع الله له جميع النعم التي لو ملك الدنيا لم يحصل على غيرها. فينبغي ألا يستقبل يومه ذلك إلا بشكرها، بأن يصرفها في طاعة المنعم، لا في معصيته، وألا يغفل عن ذكره. فكأنما حيزت له الدنيا، أي كأنما أُعطي الدنيا بأسرها.
وقد امتن الله سبحانه على قريش بنعمة الأمن، فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: 57].
صدق الله العظيم.