عاجل

ليس كل من يرفع صوته بالنقد ليقنعك بأنه حريص على مصلحة الوطن صادق.! وليس كل من يصف القرارات الصعبة في الأيام الصعبة بأنها خطأ فادح .. هو أصلا يدرك حجم ما تواجهه الدولة من تحديات.!

فهناك فارق كبير بين من ينظر إلى القرار من زاوية مصلحته العاجلة، ومن ينظر إليه بعين المسؤولية عن مستقبل أمة بأكملها.!
ولعلنا اليوم أحوج ما نكون إلى استحضار هذا الشعار عميق الدلالة «خلّوا بالكم من بلدكم» فهو ليس مجرد عبارة سياسية قالها زعيم في خطاب .. بل يبدو أنها دعوة إلى تحمل المسؤولية، وإلي صيانة مقدرات الوطن، وحماية أمنه واستقراره خاصة في هذا الوقت .. تلك الدعوة لها أصل قديم يرجع إلي النهج النبوي الشريف في إدارة الدولة في أصعب أوقاتها. هذا ما علمتنا إياه السيرة النبوية الشريفة .. وهذا ما قاله الله تعالى بل وامرنا به بان نحاول ان نتشبه بسيدنا رسول الله ﷺ في كل افعالنا لا سيما في المناصب القيادية بدءا من اصغر منصب الى قيادة الدولة في قوله تعالى: «لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا».
فحماية الأوطان لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما بالحكمة، والشجاعة في اتخاذ القرار، والقدرة على تقدير المخاطر قبل وقوعها.
ففي غزوة الخندق، حين اجتمعت الأحزاب لحصار المدينة والقضاء على المسلمين، لم يقف النبي ﷺ مكتوف الأيدي، ولم ينتظر حتى تقع الكارثة، بل أخذ بالأسباب، وحشد الجهود، واستعد لمواجهة خطر كان يهدد وجود الدولة الناشئة بقرار حفر الخندق هذا القرار الذي كان في وقته امر غير معقول عند عامة الناس ولكن القيادة النبوية الحكيمة أخذت قرارا استباقيًا وكانت المسؤولية أكبر من حسابات اللحظة .!! فالقائد الذي يدرك حجم الخطر لا ينتظر حتى يطرق الخطر أبواب وطنه.!
وانظر الي صلح الحديبية، لقد اتخذ النبي ﷺ فيه قرارًا بدا لبعض الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين شديد الصعوبة حتى إن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه راجع النبي ﷺ في بعض بنوده، لما رآه من مشقة على المسلمين. لكن الأحداث أثبتت أن وراء القرار رؤية بعيدة المدى، وأن ما بدا تنازلًا في لحظة معينة كان طريقًا إلى فتح أبواب واسعة لمكاسب مستقبلية جمة.
وهنا درس عظيم وهو أنه ليس كل قرار صعب خطأ كما يظن البعض .. وليس كل ما يبدو مكسبًا عاجلًا خيرًا على المدى البعيد.
وهل هو رسول الله ﷺ يواجه المنافقين الذين كانوا يستغلون الأزمات لبث الشكوك وإضعاف الصف الداخلي كما حدث في غزوة تبوك حين تخلف بعضهم عن الخروج وحاولوا تثبيط المؤمنين وظهرت مواقفهم في وقت كانت الأمة فيه أحوج ما تكون إلى التماسك. ومع ذلك لم يجعل النبي ﷺ رضاهم معيارًا لقراراته بل ولم يسمح لمحاولات التشكيك أن تصرفه عن مسؤوليته في إنقاذ رسالته ووطنه ﷺ. 
وهنا ينبغي أن نؤكد أن الاختلاف في الرأي ليس نفاقًا وأن النقد الصادق ضرورة للإصلاح لكن الفارق كبير بين من ينصح بهدوء وبعلم ووعي رغبةً في البناء ومن يتخذ من الأزمات وسيلةً لإشاعة اليأس أو تحقيق مكاسب سياسية على حساب الوطن.
وكما كان لرسول الله عداوات مع المنافقين والمشككين دوما في كل أفعاله ﷺ كقائد للبلاد .. كان للصالحين من بعده ﷺ من يعارضهم ويحسدهم ويبغضهم ومع ذلك لم تكن كثرة المعارضين دليلًا على خطأ الطريق. فالقائد الحقيقي لا يقيس صحة قراراته بمقدار التصفيق لها وإنما بمدى مسؤوليته عن نتائجها وقدرته على حماية الناس ومقدراتهم واستعداده للمراجعة حين تستدعي المصلحة ذلك.
وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن التحديات التي واجهتها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية دون الإشارة إلى قيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي طوال كل هذه السنوات.
تلك السنوات التي جاءت في ظل ظروف بالغة التعقيد وتحديات اقتصادية داخلية ودولية وأزمات عالمية متلاحقة وحروب واضطرابات إقليمية أثرت في أمن المنطقة واقتصاداتها وهذا معروف لكل ذكي لب واع.
ومن المعاني التي أكدها سيادة الرئيس السيسي في حديثه عن مسؤولية الحكم أن حماية الدولة أهم من حماية من يحكمها وهي عبارة تستحق التأمل والنقدير بحق .. فالدولة ليست شخصًا ولا منصبًا كما اعتدنا أن نري هذا في كثير من التجارب السياسية .. وإنما الدولة هي وطن وشعب ومؤسسات ومستقبل أجيال. فالحكام بشر يتغيرون ويذهبون  أما الدولة فيجب أن تبقى ومصلحة الوطن ينبغي أن تعلو على مصلحة أي فرد أو جماعة.
وقد كشفت التطورات الإقليمية المتلاحقة وما شهدته المنطقة من حروب واضطرابات وانهيار مؤسسات في بعض البلدان عن خطورة الاستهانة بأمن الدول واستقرارها وعن الثمن الباهظ الذي يدفعه المواطن حين تتعرض دولته بقيادتها وجيشها للتفكك أو تصبح ساحة للصراعات .. كما أعادت هذه الأحداث التأكيد على أهمية الاستعداد للمخاطر وحماية الأمن القومي في كل المجلات وعدم التعامل مع التحذيرات المتعلقة بمستقبل المنطقة باستهانة أو استخفاف.
لقد أثبت الزمن صحة كل ما استعدت له الدولة المصرية وكل ما خططت له قيادتنا الحكيمة. ورأينا الان بأعيننا أن من شككوا في تحذيرات القيادة المصرية مطالبون اليوم بمراجعة مواقفهم في ضوء ما سحري علي الساحة الدولية والاقليمية.
«خلّوا بالكم من بلدكم» ليست دعوة إلى إسكات صوت المواطن ولا إلى إعفاء المسؤول من المحاسبة او غير ذلك مما يحاول هؤلاء المشككون فعله ونشره بين الناس كذبا وزورا وبهتانا .. بل هي دعوة إلى التمييز بين النقد الذي يبني والتشكيك الذي يهدم، وبين المعارضة التي تقدم البدائل وتتحمل المسؤولية، وتلك التي لا ترى في الوطن إلا ساحة للصراع.
إن حب الوطن يقتضي اعلاء قيمة الوطن وتعليم المواطن منذ صغره معنى كلمة الوطنية وان تكون الوطنية شرف وهوية مصرية اصيلة 
فكما أننا مطالبون بالفخر ببلادنا ومصريتنا وحضارتنا وعزنا وانتصاراتنا .. فحن مطالبون أيضًا بأن نحمي دولتنا من الفوضى وأن ندرك أن الأوطان لا تُبنى بالشائعات ولا تُصان بالمزايدات
فمصر أمانة في أعناق أبنائها جميعًا، وحمايتها ليست مسؤولية الحاكم وحده بل مسؤولية كل مواطن يحب أرضها ويخشى على مستقبل أبنائها.
«خلّوا بالكم من بلدكم» فالأوطان حين تضيع لا يعوضها ندم وحين تصان بالحكمة والعمل والمسؤولية تكون للأجيال القادمة حياة أكثر أمنًا وأملًا باذن الله تعالى وحوله وتوفيقه. 
حفظ الله مصر شعبا وجيشا وقيادة.

تم نسخ الرابط