ليس أعظم ما يتركه الرئيس وراءه مدينة قد بناها أو طريقاً شقه أو مشروعاً افتتحه بل دولة تستطيع أن تواصل المسيرة من بعده ودستوراً يحتكم إليه الجميع ووطناً لا يتوقف مستقبله على بقاء شخص في موقعه فحين يُطرح سؤال من سيكون رئيس مصر في عام 2030 فإن الإجابة لا تتعلق باسم شخص بعينه بقدر ما تتعلق بمستقبل الدولة المصرية وطبيعة الحياة السياسية فيها وقدرتها على بناء مرحلة جديدة تقوم على تداول السلطة واستمرار مؤسسات الدولة واحترام الدستور في السياسة هناك أسئلة تبحث عن إجابات وهناك مواقف تفتح أبواب التاريخ وبين السؤالين يقف عام 2030 بوصفه محطة مهمة في مستقبل الدولة المصرية حيث يتجدد التساؤل من سيكون الرئيس المقبل وكيف ستعبر البلاد إلى مرحلة سياسية جديدة تحافظ فيها على استقرارها وتصون مؤسساتها وتواصل مسيرة التنمية وتؤكد أن تداول السلطة جزء
أصيل من قوة الدولة إن الحديث عن موقف الرئيس عبد الفتاح السيسي من عدم تعديل الدستور لمد فترة الرئاسة والالتزام بمبدأ التداول السلمي للسلطة يفتح باباً مهماً للنقاش الوطني حول معنى المسؤولية السياسية وكيف تُقاس قيمة المسؤولين في ذاكرة الشعوب هل بالمناصب التي شغلوها أم بما يتركونه من مؤسسات قوية وقواعد دستورية تحكم المستقبل
فالقضية هنا أكبر من اسم الرئيس المقبل وأعمق من حسابات السياسة اليومية إنها قضية دولة تريد أن تثبت أن مستقبلها لا يُكتب بالأشخاص وحدهم وإنما بالمؤسسات والقواعد الدستورية وإرادة المواطنين وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه طويلاً كيف نكرّم عبدالفتاح السيسى وهل يكون التكريم الحقيقي بالتمسك ببقائه أم ببناء دولة قادرة على مواصلة طريقها مهما تغيرت الأسماء
والسؤال الأهم هنا ليس فقط من سيأتي بعد السيسي بل أيضاً كيف نضمن أن تكون مصر قادرة على اختيار رئيسها المقبل في إطار دستوري واضح ومنافسة سياسية جادة وإرادة شعبية حرة
فالتكريم الحقيقي للرئيس لا يكون بمجرد عبارات الثناء أو الصور واللافتات وإنما بترك دولة قادرة على مواصلة مسيرتها ومؤسسات تعمل وفق القانون ودستور يحكم الجميع وحياة سياسية تسمح بظهور قيادات جديدة تتحمل المسؤولية
فالتصريحات التى أكد فيها السيسى أن الدستور الذي أقره الشعب لا ينبغي العبث به في وقت ينتهي فيه وفق الإطار الدستورى الحالى لكن الشعب وحده هو من يقرر مصير أي مبادرة تُطرح وهو ما يجعل من المهم التمييز بين رفض تعديل الدستور في الوقت الراهن وبين إعلان نهائي لا يحتمل التأويل بشأن كل المبادرات المستقبلية
أما عن هوية الرئيس المقبل فلا يمكن الجزم بها الآن فذلك يتوقف على المرشحين الذين سيخوضون الاستحقاق والضوابط الدستورية والقانونية وإجراءات الانتخابات وما يقرره الناخبون لأن مصر دولة قوية وتستطيع أن تواصل طريقها مع تغير القيادات وإذا كان عام 2030 يمثل محطة مهمة في تاريخ الحياة السياسية المصرية فإن الاستعداد له يجب أن يبدأ ببناء حياة حزبية أكثر فاعلية وإعداد كوادر سياسية تمتلك الخبرة والرؤية وإتاحة المجال أمام منافسة انتخابية جادة في إطار الدستور والقانون ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يشغل المصريين اليوم ليس فقط من سيكون رئيس مصر في 2030 بل هل ننجح في بناء نظام سياسي قادر على إنتاج قيادة جديدة والحفاظ على استقرار البلاد ومواصلة التنمية والاستجابة لتطلعات المواطنين ذلك هو الاختبار الحقيقي لقوة الدولة وذلك هو المعنى الأعمق لأي تكريم يبقى أثره في التاريخ أن تنتقل المسؤولية وفق قواعد واضحة وأن تظل مصر هي الثابت الذي تتغير من أجله المواقع والأشخاص يا أبناء مصر إن الأوطان لا تُختبر فقط في لحظات الأزمات وإنما تُختبر أيضاً في قدرتها على إدارة المستقبل
ومن حق كل مواطن أن يسأل من سيحكم مصر في 2030 ومن حقه كذلك أن يسأل ما البرنامج الذي سيحكم به وكيف ستُصان حقوق المواطنين وكيف ستتحسن ظروف المعيشة وكيف ستظل مؤسسات الدولة قوية بصرف النظر عن هوية
من يتولى المسؤولية هذه الأسئلة ليست انتقاصاً من أحد وليست إنكاراً لما تحقق وإنما هي جوهر المسؤولية الوطنية إن أعظم وفاء لأي قيادة هو أن تتحول التجربة إلى خبرة تستفيد منها الدولة وأن تتحول الإنجازات إلى مؤسسات وسياسات مستدامة وأن يصبح احترام الدستور ثقافة سياسية راسخة لا تتغير بتغير الأشخاص أما عام 2030 فليس موعداً للقلق ولا ساحة لتوزيع المناصب قبل أوانها إنه فرصة للاستعداد وبناء الحياة السياسية وإعداد البدائل وترسيخ الثقة في أن الدولة المصرية قادرة على إدارة انتقالاتها وفق قواعد واضحة لإن أعظم ما يمكن أن تبلغه أي دولة هو أن تنتقل من مرحلة إلى أخرى دون ارتباك وأن تحافظ على استقرارها دون تجميد حياتها السياسية وأن تصون إنجازاتها دون أن تغلق الباب أمام التطوير والتغيير ومن هنا فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس فقط من سيكون رئيس مصر في 2030 بل: ماذا نريد لمصر أن تكون في 2030 وما المؤسسات والقواعد التي نريد أن نورثها لأبنائنا إن التكريم الذي يصنعه التاريخ لا يُقاس بعدد سنوات البقاء في السلطة وإنما بما تتركه القيادة من أثر وبما ترسخه من قواعد وبقدرة الدولة على مواصلة طريقها من بعدها ستبقى مصر قوية كلما كانت مؤسساتها راسخة ودستورها محترماً وإرادة شعبها حاضرة في اختيار مستقبله وإذا كان عام 2030 يحمل سؤالاً عن الرئيس المقبل فإنه يحمل أيضاً سؤالاً أعمق عن مستقبل الدولة المصرية والإجابة التي تستحق أن نعمل من أجلها هي مصر المستقرة القوية بمؤسساتها القادرة على تجديد قياداتها والماضية في التنمية حيث لا يتعارض احترام
ما تحقق في الماضي مع الاستعداد الواعي للمستقبل نعم سيأتي يوم تتغير فيه المواقع وتتبدل فيه الوجوه وتتقدم فيه أجيال جديدة إلى المسؤولية وهذه هي طبيعة الدول التي تستمر
وإذا كان السؤال كيف نكرم الرئيس السيسي فإن الإجابة لا ينبغي أن تكون في مطالبة المصريين بترديد عبارات بعينها بل في فتح نقاش وطني ناضج حول ما تحقق وما يحتاج إلى استكمال وكيف يمكن حماية مؤسسات الدولة وتعزيز احترام الدستور وضمان انتقال المسؤولية بصورة منظمة وإذا كان السؤال من سيكون رئيس مصر القادم فالإجابة أن ذلك سيحدده المسار الدستوري والانتخابي وإرادة الناخبين لا التكهنات ولا الأمنيات أما السؤال الذي يجب ألا نغفله فهو ماذا نريد أن نترك لمصر بعد 2030
نريد دولة قوية بمؤسساتها مستقرة بقانونها متجددة بقياداتها عادلة في فرصها قادرة على حماية مصالحها وأكثر استجابة لتطلعات أبنائها
فالتاريخ يدوّن تجارب الرؤساء وآثار قراراتهم وما تتركه من نتائج في حياة الشعوب فالرؤساء جزء من تاريخ مصر لأن مصر هي الوطن الذي سبق الجميع وسيبقى بعد الجميع ومن أجلها يجب أن نحترم الدستور ونصون المؤسسات ونستعد للمستقبل ونؤمن بأن قوة الدولة الحقيقية تظهر حين تستطيع أن تواصل طريقها بثبات مهما تغيرت الأسماء على أبواب الرئاسة
تحيا مصر بدستورها ومؤسساتها وشعبها وبقدرتها الدائمة على صناعة المستقبل