في ظل الأزمات البنيوية المتجددة التي تشهدها إثيوبيا في الوقت الراهن، من حروب وصراعات دامية في أقاليم عدة، تتبنى الحكومة الفيدرالية برئاسة آبى أحمد في أديس أبابا استراتيجية «فَرِّقْ تَسُدْ»، تلك الاستراتيجية التي تمثل حجر الزاوية في التفاعل الجيوسياسي لإثيوبيا مع محيطها المباشر في القرن الإفريقي وحوض النيل، وتبرز جليًا من خلال الربط المزدوج بين التحديات الداخلية والضغوط الخارجية، فوفقاً لهذه المقاربة، تُكيَّف التحركات الإقليمية والدولية الحاسمة على أنها امتدادٌ مباشر للاستقطاب الداخلي أو أدواتٌ لخنق المشروع الوطني؛ مما يُتيح إعادة توظيف هذه الضغوط كمصَدٍّ سياسي لحشد الشارع القومي وتجميع المكونات الداخلية تحت مظلة «الدفاع عن السيادة الوطنية».
أولاً: أبعاد ومظاهر توظيف السياسة الإثيوبية «فَرِّقْ تَسُدْ»
تتجلى أبعاد ومظاهر توظيف السياسة الإثيوبية لاستراتيجية فَرِّقْ تَسُدْ في سعيها الدؤوب لتفكيك أي تكتل إقليمي متماسك ينظم دول حوض النيل والقرن الإفريقي، لضمان درء تشكّل جبهة تفاوضية موحدة تفكك فرضيات الهيمنة وتُلزمها بمبادئ القانون الدولي؛ إذ يعتمد صانع القرار الإثيوبي على احتكار المسارات الثنائية وتجزئة الملفات لتعظيم مكاسبه الجيوسياسية والهيدروبوليتيكية. وتتضح مظاهر هذا التوظيف ميدانياً في النفاذ عبر ثغرات السيادة والهيئات الفيدرالية—كما تجسد في المحاولات للنفاذ إلى البحر الأحمر عبر تفاهمات أحادية مع إقليم أرض الصومال، فضلاً عن استغلال الهشاشة السياسية والانقسامات الداخلية في دول الجوار كالسودان لبناء تحالفات مرنة تُضعف الموقف الرسمي، بالتوازي مع تكتيك المماطلة وفرض الأمر الواقع في ملف السد الإثيوبي.
تعتمد أديس أبابا في إدارة أزمتها الإقليمية على مسارين رئيسين، أولهما: الاستثمار في السياسات البينية والتحالفات الثنائية الهشة، وذلك من خلال التعامل الثنائي مع دول الجوار بدلاً من احترام رؤى بقية الأطراف؛ إذ يُتيح لها ذلك تعظيم نفوذها واستغلال حاجة بعض الأطراف إلى الدعم السياسي أو الأمني لحسابات داخلية، مما يمنع خلق رؤية إقليمية جامعة. ثانيهما: تحييد الساحات المتضررة وعزل الملفات؛ حيث سعت الحكومة الإثيوبية إلى الفصل التام بين الملفات الاستراتيجية؛ فتتعاطى مع ملف السد الإثيوبي كقضية تنموية حصرية، وتدير ملف الوصول إلى البحر الأحمر عبر أطر ومذكرات تفاهم فردية، وتتعامل مع التوترات الحدودية بشكل منعزل، وذلك لتفادي تجميع الأوراق في يد حلف موحد.
ثانياً: قمة العلمين وإرباك المحرك الاستراتيجي لأديس أبابا
برزت مخرجات قمة العلمين الرباعية — التي جمعت كلاً من مصر والسودان وإريتريا والصومال —؛ باعتبارها محطة فارقة نجحت في تفكيك المحرك الاستراتيجي لـأديس أبابا وإرباك أدواتها التقليدية؛ فبعد عقود من اعتمادها على استراتيجية فَرِّقْ تَسُدْ والنفاذ عبر الثغرات لتشتيت دول الجوار ومنع تشكل أي موقف جماعي ضاغط، جاءت هذه القمة لتسقط خيار الاستفراد الفردي وتؤسس لمرحلة جديدة من التنسيق الجماعي المتقاطع بين ملفات السيادة والأمن البحري ومياه النيل. فقد أوجدت القمة حائط صد إقليمي يمنع أديس أبابا من استغلال هشاشة البيئات الداخلية أو توظيف التوترات الإقليمية—كالسعي للنفاذ إلى البحر الأحمر عبر مسارات أحادية تستهدف السيادة الصومالية، أو الاستمرار في فرض الأمر الواقع في ملف السد الإثيوبي والأزمة السودانية. وبذلك، لم تعد القضايا الخلافية ملفات ثنائية مجزأة تستطيع أديس أبابا مناورتها وإدارتها كلٌّ على حدة، بل تحولت إلى معادلة أمن قومي مجتمعة ومترابطة تحرم السياسة الإثيوبية من مساحات المناورة وتفرض عليها مواجهة بيئة إقليمية متماسكة تُعقّد حسابات نفوذها.
سعى الخطاب الإعلامي الإثيوبي الرسمي إلى تصوير هذا التكتل الإقليمي الحاسم، كتهديد يستهدف استقرار البلاد، لتغليف أزماتها البنيوية المعقدة برداء المواجهة الخارجية وإعادة إنتاج شرعيتها السياسية. وهو ما يؤكد أن نجاح قمة العلمين جاء ليشكل تحولاً مفصلياً في هندسة الأمن الإقليمي. من خلال: إنشاء جدار صد مؤسسي لربط القضايا والساحات المتضررة ببعضها البعض بتنسيق استراتيجي متكامل، مما أدى إلى تجريد أديس أبابا من قدرتها التقليدية على اللعب على بين أطراف القرن الإفريقي وحوض النيل.
ثالثاً: تجلي المأزق المزدوج للنظام الإثيوبي
بالرغم مما تعانيه أديس أبابا من صراعات داخلية شائكة وتوترات عرقية وضغوط اقتصادية متزايدة، فإن ما تواجه حاليًا -أمام هذا التحول المؤسسي الإقليمي-، يجعلها محاصرة داخل مأزق مزدوج الأبعاد، يحدّ من قدرتها على فرض الإجراءات الأحادية دون تحمّل تكلفة سياسية واقتصادية باهظة، ويضاف إلى ذلك عبء عجزها عن تقديم معالجة جذرية لأزماتها البنيوية والداخلية التي هى نتاج السياسة الأحادية التي يمارسها آبي أحمد -كما أكد الخبراء-من زرع الفتن بين أشهر الجماعات العرقية لإضعاف المعارضة لإدارته، وذلك من خلال تصوير أشهر الجماعات العرقية-بما في ذلك الأمهرة- على أنها تهديدات لاستقرار الوطني، فإنه استعمل سلاح القوة لمواجهتهم وأبرز مثال على ذلك استعمال ضربات الطائرات بدون طيار التي أضرت بمدنيين كثر.
ختامًا:
إن نجاح قمة العلمين الرباعية في إرباك استراتيجية "فَرِّقْ تَسُدْ" التاريخية للسياسة الإثيوبية، يُبرز المدى الفعلي لقدرة الإقليم على كبح الهيمنة الأحادية؛ وذلك من خلال استدامة آلية المتابعة الجماعية، وتحويل التوافقات السياسية إلى أطر عمل أمنية واقتصادية ودبلوماسية ملموسة، واستثمار التحول المؤسسي لبناء رؤية إقليمية شاملة للأمن والاستقرار تشمل أمن البحر الأحمر، وحماية الحقوق المائية، وضمان سيادة الدول. هذا التحول الهيكلي سيضع أديس أبابا في نهاية المطاف أمام خيار استراتيجي جديد: إما الاستمرار في سياسة التفكيك ذات الكلفة العالية داخلياً وخارجياً، أو التكيف مع واقع إقليمي جديد.