الصحفي العراقي منتظر الزيدي لنيوز رووم: مصر أجهضت مخطط التهجير.. وأمريكا لا تزال تسيطر على العراق
من الحذاء الذي ألقاه في وجه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش، في العام ٢٠٠٨، إلى المواجهة السياسية مع النفوذ الأمريكي في العراق، يعود الصحفي العراقي منتظر الزيدي لفتح ملفات شديدة الحساسية في المنطقة.. وفي حوار خاص لموقع نيوز رووم يتحدث الزيدي عن الدور المصري في مواجهة مخطط تهجير الفلسطينيين، ويدعو إلى تحرك أكبر لدعم غزة وإعادة إعمارها، كاشفًا رؤيته لمستقبل النفوذ الأمريكي في العراق، وصراع واشنطن وطهران، وأزمة السلاح خارج الدولة والفساد السياسي.. كما يوجه رسالة إلى الحكام العرب، مستخلصًا من التجربة العراقية درسًا قاسيا: حين تفشل الدولة في حماية مواطنيها، تصبح التدخلات الخارجية أكثر قدرة على اختراقها.
س- هل يمثل الانسحاب الأمريكي من العراق نهاية للنفوذ الأمريكي، أم أنه مجرد تغيير في أدوات السيطرة؟.
- أعتقد أن الانسحاب الأمريكي تكتيكي، فالولايات المتحدة، بوصفها قوة عالمية، لا تنسحب من بلد دون أن تضمن استمرار نفوذها السياسي فيه.. فما زالت واشنطن تمتلك أدوات تأثير واسعة في العراق، وفي مقدمتها سفارتها وعلاقاتها السياسية، ولذلك فإن الانسحاب العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء النفوذ الأمريكي أو تحرر القرار العراقي منه.
س- الدور المصري: مارأيك في الدور المصري في مواجهة مخطط تهجير الفلسطينيين، وما الذي تنتظره من القاهرة لدعم غزة؟.
- الشعب المصري كان في مقدمة الشعوب العربية التي واجهت الكيان الصهيوني عبر تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، ولذلك نتطلع إلى دور مصري أكبر في دعم القضية الفلسطينية، وفتح ملف معبر رفح، وإعادة إعمار غزة، والتحرك قانونيًا لمحاسبة الكيان الصهيوني على المجازر التي ارتكبها بحق الشعب الفلسطيني، نحن نعتز بمصر العروبة، ونتطلع إلى أن يسهم ثقلها السياسي والتاريخي في دعم الفلسطينيين، وتخفيف معاناتهم، والدفاع عن حقوقهم في مواجهة ما يتعرضون له من عدوان.
س- ما رسالتك إلى مصر بشأن مستقبل العلاقات مع العراق؟
- نتطلع إلى أن تستعيد العلاقات المصرية العراقية مكانتها التي تليق بتاريخ البلدين. نحن نتساءل عن أسباب محدودية الحضور المصري في العراق خلال أزماته منذ عام 2003 وحتى دخول تنظيم داعش، لأننا ننظر إلى مصر باعتبارها الأخ الأكبر للعرب، ونرتبط بها بتاريخ طويل من المحبة والتواصل، هذا عتاب المحب، وليس انتقاصًا من مكانة مصر أو شعبها.. لدينا حب كبير للمصريين، وما زال العراقيون يحتفظون بذاكرة جميلة عن مصر والمصريين منذ ثمانينيات القرن الماضي، ونريد أن تنعكس هذه المحبة بصورة أكبر على العلاقات السياسية، وأن نشهد تعاونًا أوسع بين القاهرة وبغداد في القضايا العربية المشتركة.
س- وبخصوص حرب إيران: هل أصبح العراق ساحة لتصفية الحسابات بين الولايات المتحدة وإيران؟.
- العراق، للأسف الشديد، أصبح كالكماشة بين الولايات المتحدة وإيران، فإيران تسعى إلى جعل العراق حليفًا لها في مواجهة واشنطن، بينما تريد الولايات المتحدة توظيف العراق لمواجهة النفوذ الإيراني.
وفي الحالتين، نحن من يدفع الثمن.. إنها حرب نفوذ بين واشنطن وطهران، لا مصلحة للعراقيين فيها، بينما بلدنا مثقل بالحروب والحصار والاحتلال والإرهاب الذي مارسه تنظيم داعش.
لقد عانى العراق بما يكفي، ولذلك أقول دائمًا إن علينا أن نبتعد عن صراع المحاور. لسنا مع محور ضد محور، وما جرى للعراق يكفينا لمئة عام من العزلة عن هذه الصراعات.
س- لماذا يصعب إنهاء أزمة السلاح خارج إطار الدولة في العراق؟
-لأن المشكلة ليست مجرد ميليشيات تحمل السلاح ويمكن للدولة القضاء عليها من خلال وزارتي الدفاع والداخلية، نحن أمام فصائل تمتلك نفوذًا سياسيًا وتمثيلًا برلمانيًا وحكوميًا، ولديها أعضاء داخل الأجهزة الأمنية وقياداتها، فضلًا عن وجود وزراء يمثلونها.
هذه الفصائل تجمع بين السلاح والسياسة والنفوذ داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يجعل الأزمة أكثر تعقيدًا. والسلاح، في هذه الحالة، يتحول إلى أداة لبسط النفوذ، بدلًا من أن يكون وسيلة للدفاع عن العراق.
العراق ليس طرفًا في حرب بين دولتين تبرر استمرار هذا الوضع.. المطلوب أن تكون سلطة السلاح للدولة وحدها، وأن تكون حماية البلاد ومصالح العراقيين هي الأولوية.
س- من المسؤول عن ضياع أموال العراق واستمرار الفساد السياسي؟
- المسؤولية تقع أولًا على الولايات المتحدة، التي سمحت للفاسدين بالتغلغل في الدولة العراقية، وثانيًا على الأحزاب التقليدية التي جاءت مع الاحتلال الأمريكي وسيطرت على مقدرات البلاد.
المشكلة أن هذه القوى وضعت نفسها فوق المحاسبة والقانون، وأصبحت تمتلك نفوذًا يجعل إصلاح مؤسسات الدولة ومحاسبة المسؤولين عن الفساد أمرًا بالغ الصعوبة.
س- ما الذي تنتظره من الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي؟.
- نتطلع إلى أن تكون حكومة وطنية، قادرة على التخلص من قيود الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان والحكومة، وأن تضع مصلحة العراق والعراقيين فوق حسابات القوى ومصالحها، نريد حكومة أفعال لا أقوال، حكومة تتعامل بجدية مع الأزمات التي يعاني منها المواطن، وتعمل على استعادة ثقة الناس بمؤسسات الدولة، وتدافع عن استقلال القرار العراقي.
س- ما الدرس الأهم الذي ينبغي أن تتعلمه الدول العربية من التجربة العراقية؟.
- درس العراق قاسي وواضح استبدلنا الدكتاتورية بالفساد، واستبدلنا ظالمًا بظالم، واستبدلنا نظامًا قمعيًا بنظام مهترئ.
الدرس الذي ينبغي أن يتعلمه الحكام، وليس الشعوب، هو ألا يتركوا شعوبهم فريسة للتدخلات الخارجية، وألا يدفعوها إلى مرحلة الانكسار والاتكال على الخارج لإنهاء معاناتها.
كنا نعاني في عهد صدام حسين، وعندما جاء الاحتلال الأمريكي رفع شعار تخليص الشعب العراقي من صدام، لكن ما جاء بعد ذلك كان، في تجربتنا، أسوأ مما سبقه ،على الحكام أن يدركوا أن الإصلاح الحقيقي وحماية حقوق المواطنين ليسا خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة لحماية الدولة نفسها، فحين يفقد المواطن ثقته في مؤسسات بلاده، تصبح الأزمات الداخلية أكثر قابلية للاستغلال الخارجي.
س- ما رسالتك إلى المصريين بشأن الحفاظ على الدولة ومؤسساتها؟
- المواطنة ليست مجرد هوية، وليست شعارات تُرفع في اللقاءات والمناسبات الوطنية، المواطنة الحقيقية هي أن يشعر الإنسان بأنه قيمة أساسية في دولته، وأن حقوقه مصونة، وأن صوته مسموع، وأنه شريك في وطنه لا مجرد متلقى للقرارات.