«نفسي أحضنه قبل ما أموت.. معنديش غيره في الدنيا».. والدة مصاب بالسودان تناشد بعودته
بصوت يملؤه الخوف، وقلب لا يعرف الراحة، تعيش والدة أحمد أحمد علي المتولي، ابن قرية الكفر الجديد التابعة لمركز ميت سلسيل بمحافظة الدقهلية، ساعات من القلق على نجلها البالغ من العمر 40 عاما، والذي أُصيب في حادث إطلاق نار بالسودان.
«معنديش غيره في الدنيا.. محيلتيش إلا هو وطلباه من ربنا»، بهذه الكلمات الموجعة عبّرت الأم عن خوفها على ابنها، الذي تتمنى أن تراه أمام عينيها وتضمه إلى صدرها من جديد، قائلة إنها تتمنى أن تحتضنه قبل أن تموت.
وتتساءل الأم بمرارة عن مصير ابنها الذي يعمل سائق شاحنة، وتقول إنه كان ذاهبًا لتوصيل الطعام، فلماذا يتعرض لإطلاق النار؟ كلمات تحمل وجع أم لا تستطيع استيعاب ما حدث لابنها، ولا تملك سوى الدعاء والأمل في أن يعود إليها سالمًا.
وتصف الأم نجلها بأنه إنسان طيب ومحترم، يحبه كل من يعرفه، وكان بالنسبة إليها «كان محترم وأمير العيلة»، بما يمثله من مكانة كبيرة في قلوب أفراد أسرته، الأمر الذي يجعل محنتها أشد قسوة مع كل لحظة تمر دون الاطمئنان الكامل عليه.
أحمد، ابن الدقهلية، الذي خرج للعمل سعيا وراء رزقه، أصبح اليوم محور دعاء أسرته وقلقها، بينما تقف والدته عاجزة أمام قسوة الانتظار، لا تتمنى من الدنيا سوى أن تطمئن عليه وتراه مرة أخرى.
«نفسي أحضنه قبل ما أموت».. أمنية بسيطة تختصر حكاية أم لا تريد مالًا ولا شيئًا من الدنيا، بل تريد ابنها بجوارها، تحتضنه وتطمئن إلى سلامته، بعدما أصبح الخوف عليه أكبر من قدرتها على الاحتمال.
وفي وقت سابق، بكلمات يملؤها الوجع، وقلوب لم تستوعب بعد قسوة الفراق، تعيش أسرة محمد لطفي، ابن الكفر الجديد بمركز ميت سلسيل، لحظات من الحزن والانكسار بعد رحيله، تاركا خلفه إخوة لم يكن بالنسبة لهم مجرد ابن أو شقيق، بل كان السند والأمان واليد التي تمتد إليهم كلما ضاقت بهم الحياة.
تروي شقيقاته تفاصيل إنسانية موجعة عن شاب لم ينسَ احتياجات أسرته، وكان حريصًا على أن يخفف عنهم أعباء الحياة، حتى إن والدته كانت تقول له: «إنت ابني يا أخويا»، في تعبير تختصر فيه كلماتها حجم المسؤولية التي كان يحملها عنها، ومكانته التي لا يعوضها أحد.
وتحكي الأسرة أن محمد كان دائم السؤال عن احتياجاتهم، ولم يتردد في مساعدة المحتاجين، وكان يوصيهم قائلا: «ملكوش دعوة بحاجة»، مؤكدا لهم أنه سيتولى ما يستطيع من أعبائهم. وكان يطمئن والدته على صحتها وعلاجها، ويقول لها إن مصاريف الكشف وكل ما تحتاجه عليه، وكأنه أراد أن يطمئنها إلى أن هناك دائمًا من يقف بجانبها مهما اشتدت الظروف.
لكن أكثر ما يمزق قلب الأسرة، تلك المكالمة الأخيرة التي جمعت محمد بأهله قبل وفاته بنحو نصف ساعة فقط، مكالمة عادية في ظاهرها، لكنها تحولت بعد رحيله إلى ذكرى لا تفارق قلوبهم. تقول والدته إنها لو كانت تعلم أنها المرة الأخيرة التي ستسمع فيها صوته، لأطالت الحديث معه، ولأوصته أن يحافظ على نفسه، ولما تركته ينهي المكالمة بهذه السرعة: «كلمني قبل ما يموت بنص ساعة، ولو كنت أعرف كنت طولت المكالمة، وقولتله: «خلي بالك من نفسك، وهتيجي إمتى؟» قالي: «هاجي بكرة أو بعده»، بس رجعلنا في كفن. كنا مستنيين يرجع علشان أروح أكشف. إنت الوحيد اللي ما سبتنيش أبدا يا حبيبي، مصدقناش إنك ترجع جثة أبدا».
.
وتضيف أنه أخبرها بأنه سيعود في اليوم التالي أو الذي يليه، فانتظرت عودته كما اعتادت، ولم تتخيل يومًا أن تكون العودة مختلفة إلى هذا الحد، وأن يتحول انتظارها لابنها إلى صدمة لا تستطيع الكلمات وصفها.
وتختصر الأخت وجعها في كلمات تقطع القلب: كانت تنتظر عودته لتذهب إلى الطبيب، بعدما اعتادت أن تجد فيه السند الذي لا يتأخر عنها، لكنها لم تكن تعلم أن آخر ما سيصلها منه لن يكون صوته أو خطواته على باب البيت، وإنما خبر رحيله، ثم جسده مسجى في كفن.
لم تكن الأسرة تتخيل أن الشاب الذي كان يخطط للعودة إلى بيته، ويطمئن أمه على احتياجاتها، سيغيب بهذه الصورة القاسية. واليوم، لم يعد في البيت من يسأل عن تفاصيل يومهم بالطريقة نفسها، ولا من يمنح الأم شعور الأمان الذي كانت تستمده من وجوده بجوارها.