«قالي هاجي بكرة أو بعده.. رجعلي في كفن».. شقيقة محمد لطفي المتوفي في السودان تكشف آخر لحظاته
بكلمات يملؤها الوجع، وقلوب لم تستوعب بعد قسوة الفراق، تعيش أسرة محمد لطفي، ابن الكفر الجديد بمركز ميت سلسيل، لحظات من الحزن والانكسار بعد رحيله، تاركا خلفه إخوة لم يكن بالنسبة لهم مجرد ابن أو شقيق، بل كان السند والأمان واليد التي تمتد إليهم كلما ضاقت بهم الحياة.
تروي شقيقاته تفاصيل إنسانية موجعة عن شاب لم ينسَ احتياجات أسرته، وكان حريصًا على أن يخفف عنهم أعباء الحياة، حتى إن والدته كانت تقول له: «إنت ابني يا أخويا»، في تعبير تختصر فيه كلماتها حجم المسؤولية التي كان يحملها عنها، ومكانته التي لا يعوضها أحد.
وتحكي الأسرة أن محمد كان دائم السؤال عن احتياجاتهم، ولم يتردد في مساعدة المحتاجين، وكان يوصيهم قائلا: «ملكوش دعوة بحاجة»، مؤكدا لهم أنه سيتولى ما يستطيع من أعبائهم. وكان يطمئن والدته على صحتها وعلاجها، ويقول لها إن مصاريف الكشف وكل ما تحتاجه عليه، وكأنه أراد أن يطمئنها إلى أن هناك دائمًا من يقف بجانبها مهما اشتدت الظروف.
لكن أكثر ما يمزق قلب الأسرة، تلك المكالمة الأخيرة التي جمعت محمد بأهله قبل وفاته بنحو نصف ساعة فقط، مكالمة عادية في ظاهرها، لكنها تحولت بعد رحيله إلى ذكرى لا تفارق قلوبهم. تقول والدته إنها لو كانت تعلم أنها المرة الأخيرة التي ستسمع فيها صوته، لأطالت الحديث معه، ولأوصته أن يحافظ على نفسه، ولما تركته ينهي المكالمة بهذه السرعة: «كلمني قبل ما يموت بنص ساعة، ولو كنت أعرف كنت طولت المكالمة، وقولتله: «خلي بالك من نفسك، وهتيجي إمتى؟» قالي: «هاجي بكرة أو بعده»، بس رجعلنا في كفن. كنا مستنيين يرجع علشان أروح أكشف. إنت الوحيد اللي ما سبتنيش أبدا يا حبيبي، مصدقناش إنك ترجع جثة أبدا».
.
وتضيف أنه أخبرها بأنه سيعود في اليوم التالي أو الذي يليه، فانتظرت عودته كما اعتادت، ولم تتخيل يومًا أن تكون العودة مختلفة إلى هذا الحد، وأن يتحول انتظارها لابنها إلى صدمة لا تستطيع الكلمات وصفها.
وتختصر الأخت وجعها في كلمات تقطع القلب: كانت تنتظر عودته لتذهب إلى الطبيب، بعدما اعتادت أن تجد فيه السند الذي لا يتأخر عنها، لكنها لم تكن تعلم أن آخر ما سيصلها منه لن يكون صوته أو خطواته على باب البيت، وإنما خبر رحيله، ثم جسده مسجى في كفن.
لم تكن الأسرة تتخيل أن الشاب الذي كان يخطط للعودة إلى بيته، ويطمئن أمه على احتياجاتها، سيغيب بهذه الصورة القاسية. واليوم، لم يعد في البيت من يسأل عن تفاصيل يومهم بالطريقة نفسها، ولا من يمنح الأم شعور الأمان الذي كانت تستمده من وجوده بجوارها.