عاجل

قلم بـ1000 دولار يهدد سيطرة ترامب على الكونجرس | ما القصة؟

أرشيفية
أرشيفية

في السياسة الأمريكية، ارتبطت أقلام التوقيع بمحطات تاريخية بارزة، بدءًا من توقيع إعلان الاستقلال وصولًا إلى إقرار تشريعات مصيرية في عهدي باراك أوباما وليندون جونسون. لكن قلمًا من ماركة «مونت بلانك» تبلغ قيمته ألف دولار، يعود إلى واقعة حدثت قبل أكثر من عقد، بات حاضرًا بقوة في سباق انتخابي قد تتجاوز تداعياته حدود ولاية تكساس، لتصل إلى موازين القوى داخل الكونغرس الأمريكي.

وتلاحق قضية القلم كين باكستون، المدعي العام السابق لولاية تكساس والمرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ، منذ أغسطس 2012، بعدما اتُّهم بأخذ القلم من محكمة كانت تشهد إجراءات قضائية، ورغم أن الواقعة تعود إلى سنوات طويلة، فإن تسجيلات كاميرات المراقبة التي وثقتها، إلى جانب الحملات السياسية التي أعادت تسليط الضوء عليها، جعلتها واحدة من أبرز التفاصيل التي يستخدمها خصومه للطعن في صورته أمام الناخبين.

وتكتسب القضية أهمية إضافية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، إذ يمكن أن تؤثر نتيجة السباق في تكساس على فرص الحزب الجمهوري في الاحتفاظ بالسيطرة على مجلس الشيوخ، في وقت يسعى فيه الديمقراطيون إلى استغلال نقاط الضعف الشخصية والسياسية لدى باكستون.

فضيحة صغيرة تطغى على اتهامات أكبر

قد يبدو أخذ قلم، حتى لو بلغت قيمته ألف دولار، مخالفة أقل خطورة مقارنة بالاتهامات الأخرى التي واجهها باكستون على مدار مسيرته السياسية، ومنها مزاعم تتعلق بالفساد والاحتيال العقاري. كما كان ثالث مسؤول سياسي في تاريخ تكساس يُعزل من منصبه بقرار من مجلس نواب الولاية، قبل أن يبرئه مجلس شيوخ تكساس من جميع بنود المساءلة في سبتمبر/أيلول 2023.

كذلك، واجه باكستون أزمة في حياته الزوجية انتهت بالطلاق، وسط اتهامات بالخيانة الزوجية، لكنه لم يتطرق مباشرة إلى هذه المزاعم، وعزا انتهاء زواجه الذي استمر 38 عامًا إلى الضغوط المرتبطة بتولي المنصب.

ويرى مراقبون أن الاتهامات والوقائع الأخرى التي أحاطت بباكستون أكثر تعقيدًا وقابلية للجدل، بينما تبدو واقعة القلم أكثر وضوحًا بالنسبة إلى الناخبين، خصوصًا مع وجود تسجيل مصور لها، ولهذا تحولت الحادثة إلى رمز يستخدمه خصومه لتصويره باعتباره شخصًا جشعًا وانتهازيًا، حتى مع تأكيد فريقه أن ما حدث لم يكن سوى سوء فهم.

وتكمن قوة القصة أيضًا في طابعها الساخر، إذ يصعب على فريق باكستون إبعادها عن النقاش العام، بينما يسهل على منافسيه إعادة نشر التسجيلات المصورة عبر الإنترنت وشاشات التلفزيون، مصحوبة بتعليقات ساخرة تجعل الواقعة قابلة للتداول المتكرر.

لماذا أصبحت قضية القلم مهمة انتخابيًا؟

يحظى باكستون بدعم قطاع من حركة «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» المعروفة اختصارًا باسم «ماجا»، ويتمتع بموقع سياسي قوي داخل ولاية تكساس المحافظة. لكن خصومه يركزون على ما يعتبرونه نقاط ضعف في صورته الشخصية، معتقدين أن القضايا الأخلاقية والسلوك الشخصي قد يؤثران في الناخبين حتى عندما لا يغيرون مواقفهم السياسية الأساسية.

وقال مات ماكوياك، الناشط السياسي المخضرم في تكساس الذي عمل ضمن حملة السيناتور الجمهوري جون كورنين، إن قضية القلم أصبحت قصة يصعب نسيانها، مضيفًا أنها، رغم طابعها الطريف، اكتسبت زخمًا خاصًا بها.

وأضاف ماكوياك: «أعتقد أن من يعرفونها يرون فيها جانبًا عميقًا لا يمكن إنكاره من شخصية كين».

ويعتقد معسكر باكستون أنه قادر على تجاوز القضية وغيرها من الفضائح التي لاحقته، مستندًا إلى شعبيته لدى الناخبين المحافظين. في المقابل، ترى حملة كورنين أن كثيرًا من الناخبين لا يعرفون حجم الاتهامات التي أحاطت بالمدعي العام السابق، وأن تكثيف الإعلانات الهجومية قد يؤثر في نظرتهم إليه.

ولا تقتصر المخاطر على مستقبل باكستون السياسي؛ ففوز ديمقراطي بمنصب على مستوى ولاية تكساس، للمرة الأولى منذ عام 1993، قد يشكل مؤشرًا مهمًا على تغير المزاج الانتخابي في الولاية، بما قد ينعكس على المنافسة الوطنية على السيطرة على مجلس الشيوخ. وتأتي هذه الاحتمالات في ظل أهمية كل مقعد في تحديد موازين القوى داخل المجلس.

من أعاد إحياء قصة القلم؟

كان الديمقراطي جاستن نيلسون أول من استثمر الواقعة انتخابيًا، عندما خاض المنافسة ضد باكستون على منصب المدعي العام لولاية تكساس عام 2018.

وتضمن إعلان نيلسون آنذاك موسيقى بيانو مرحة ولقطات من كاميرات المراقبة، إلى جانب رسالة ساخرة تقول: «صوّتوا لجاستن نيلسون لمنصب المدعي العام.. سيدافع عن جميع سكان تكساس. ولن يسرق قلمك».

ولم يتوقف استغلال القضية عند الديمقراطيين، إذ استخدمها جون كورنين، السيناتور الجمهوري الحالي عن تكساس، ضمن هجومه على باكستون خلال محاولته الفاشلة لوقف التحدي الذي واجهه من السياسي المحافظ المتشدد في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري.

وأدرجت حملة كورنين القلم ضمن مجموعة من الوقائع التي قدمتها باعتبارها رموزًا لما وصفته بانحطاط باكستون، مستعينة بإشارة إلى الوصايا العشر وشعار «لا تسرق».

وفي تطور لاحق، أعاد جيمس تالاريكو، المرشح الديمقراطي المنافس لباكستون، استخدام إعلان نيلسون، لكنه أضاف إليه ظهور جوي جوبلين، صاحب القلم الأصلي، وهو يمسك بالقلم ويعلن تأييده لتالاريكو.

وأظهر استطلاع رأي حديث أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» تقدم تالاريكو بست نقاط في السباق، وهو فارق لافت بالنظر إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فاز بولاية تكساس بأكثر من 13 نقطة مئوية في انتخابات عام 2024. وتشير هذه الأرقام إلى أن المنافسة قد تكون أكثر تقاربًا مما توحي به الصورة التقليدية للولاية، وإن كانت نتيجة استطلاع واحد لا تحسم اتجاه التصويت النهائي.

كيف بدأت قصة القلم؟

تعود الواقعة إلى أغسطس 2012، عندما كان باكستون يمر عبر نقطة تفتيش أمنية في محكمة مقاطعة، حيث التقط قلمًا من ماركة «مونت بلانك» تبلغ قيمته ألف دولار، وفقًا للرواية التي أعادت وسائل الإعلام نشرها.

وكان القلم ملكًا لجوي جوبلين، وهو محامٍ من تكساس كان موجودًا في المحكمة لحضور جلسة تتعلق بإثبات وصية. وقال جوبلين إن القلم كان هدية عيد ميلاد قدمتها له زوجته، موضحًا أنه فضي اللون وذو رأس يشبه القمة الثلجية، الأمر الذي جعله سهل التمييز.

وبعد أن لاحظ اختفاء القلم، بحث عنه جوبلين دون جدوى، قبل أن يتصل بتيري بوكس، قائد شرطة المقاطعة، الذي كان يعرفه منذ تعرض منزله للسرقة في العام نفسه.

وتذكر جوبلين أن المسؤول أخبره، بعد تحقيق قصير: «لن تصدق من كان يملكه.. لقد كان مسؤولًا منتخبًا»، في إشارة إلى باكستون.

وبعد نحو عامين، حصلت وسائل الإعلام على تسجيلات كاميرات مراقبة غير واضحة، أظهرت باكستون، الذي كان عضوًا في مجلس نواب تكساس آنذاك، وهو ينحني ويلتقط شيئًا قبل أن يغادر المكان. وجرى التعرف إلى الشيء باعتباره قلم جوبلين الذي تبلغ قيمته ألف دولار.

وأُعيد القلم لاحقًا، لكن الواقعة ظلت حاضرة في النقاش السياسي، وتمسك فريق باكستون بأن الأمر كان «مجرد سوء فهم بريء»، فيما قال متحدث باسمه، عندما ظهرت التقارير الإعلامية للمرة الأولى، إن الواقعة حدثت بين محاميين داخل المحكمة.

أما جوبلين، فامتنع في ذلك الوقت عن التكهن بكيفية وصول القلم إلى حيازة باكستون، وأعرب عن امتنانه لإعادته. لكنه بات أكثر استعدادًا للحديث عن القضية بعدما بلغ 80 عامًا وتقاعد من ممارسة المحاماة.

وعندما سمع جوبلين تفسير باكستون بأنه ظن أن القلم يخصه، انفجر ضاحكًا، مستبعدًا هذا التفسير، وقال: «كان هذا القلم فضيًا، وكان من السهل تمييزه».

ويحتفظ جوبلين بالقلم حتى الآن، لكنه لم يعد مجرد أداة للكتابة، إذ تحول إلى رمز انتخابي يستدعيه خصوم باكستون كلما أرادوا التشكيك في سلوكه. ويعلق جوبلين على ذلك ضاحكًا: «لا يزال يحمل دلالة سياسية. إنه لأمر غريب».

تم نسخ الرابط