هل رحيل زيلينسكي السبيل الوحيد لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية؟
قال الدكتورة مونيكا وليم، الباحثة في العلاقات الدولية بمركز البحوث الاقتصادية والسياسية، أن رحيل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لا يمثل بالضرورة سبيلًا لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، مشيرة إلى أن التعامل مع تغيير القيادة في كييف باعتباره شرطًا للتوصل إلى تسوية يتجاهل الطبيعة المركبة للصراع، الذي يرتبط بقضايا السيادة وسلامة الأراضي والضمانات الأمنية ومستقبل الترتيبات الأوروبية.
وأكدت الدكتورة مونيكا وليم في تصريح خاص لموقع نيوز رووم، أن دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تغيير زيلينسكي تثير تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل الحرب، وحدود الدور الأمريكي في تحديد مسار التسوية، ومدى ارتباط إنهاء الصراع بتغيير القيادة الأوكرانية، موضحة أن تغيير الرئيس، حتى لو جرى عبر المسارات الدستورية، لا يضمن إنهاء الحرب ما لم تتوافر تسوية تعالج أسبابها وتحدد التزامات واضحة تحول دون تجددها.
وأضافت وليم أن تصريحات ترامب تكشف عن تحول في مقاربة واشنطن لإدارة الحرب، من التركيز على استمرار دعم أوكرانيا في مواجهة روسيا إلى إعطاء أولوية أكبر لإنهاء الصراع وتقليص تكاليفه الاقتصادية والسياسية، لافتة إلى أن الضغط على زيلينسكي قد لا يهيئ بالضرورة الظروف لتسوية مستدامة، بل قد يؤدي إلى إضعاف الموقف التفاوضي الأوكراني دون حدوث تغير مماثل في الموقف الروسي.
وأوضحت الباحثة في العلاقات الدولية أن نجاح المفاوضات لا يرتبط بمجرد تغيير أحد أطرافها، وإنما يتطلب استعدادًا متبادلًا للتوصل إلى اتفاق يراعي المصالح الأمنية المشروعة ويضمن احترام سيادة الدول.

اتفاق ترامب وبوتين
وفيما يتعلق بالعلاقة بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أشارت وليم إلى أن أهميتها لا تكمن في وجود تحالف بين الطرفين، وإنما في تقاطع بعض الأولويات، رغم اختلاف دوافعهما وغاياتهما.
وأوضحت أن ترامب يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره قادرًا على إنهاء الحرب وتقليص الأعباء المترتبة عليها وتحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة للولايات المتحدة، بينما تسعى موسكو إلى تحسين موقعها التفاوضي وتخفيف الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها، مع الحفاظ على مطالبها المتعلقة بمستقبل أوكرانيا والترتيبات الأمنية في أوروبا.
وأكدت أن هذا التقاطع قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى استكشاف تفاهمات مع روسيا في ملفات محددة، لكنه لا يعني بالضرورة توافق الطرفين على جميع شروط إنهاء الحرب.

كما، أشارت وليم إلى أن اتفاق الديزل الروسي يبرز باعتباره أحد المؤشرات المهمة على التحول في حسابات ترامب، إذ أُعلن عن تفاهم بشأن توفير إمدادات من الديزل الروسي تتضمن، وفقًا للأرقام المتداولة، 300 ألف طن بصورة فورية، ثم 500 ألف طن في نوفمبر، تليها كميات إضافية.
وأضافت أن هذه التطورات ارتبطت بالحديث عن تخفيف بعض القيود الأمريكية على صادرات الطاقة الروسية، مشيرة إلى أن التفاصيل النهائية للكميات وآليات التسليم ونطاق تخفيف العقوبات لا تزال بحاجة إلى التحقق المستقل، إلا أن الدلالة السياسية للخطوة تتمثل في استعداد واشنطن لاستكشاف ترتيبات اقتصادية مع موسكو رغم استمرار الحرب والخلافات بشأن مستقبل أوكرانيا.
وأشارت الباحثة إلى أن أهمية هذه الخطوة ترتبط بالضغوط التي تواجه الإدارة الأمريكية في سوق الطاقة، حيث يؤثر ارتفاع أسعار الوقود في تكاليف النقل والشحن والزراعة، وينعكس على الأوضاع المعيشية ومعدلات التضخم، ما يجعل هذه القضية حساسة على المستوى الداخلي، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر.
وأوضحت أن سعي ترامب إلى تأمين إمدادات إضافية يمكن فهمه باعتباره جزءًا من محاولة احتواء الضغوط الاقتصادية وتعزيز قدرته على إظهار نتائج ملموسة للناخب الأمريكي، غير أن هذه الحسابات تثير تساؤلات بشأن مدى التوازن بين المصالح الاقتصادية قصيرة الأجل والتداعيات الاستراتيجية لتخفيف القيود على دولة تخوض حربًا ضد أوكرانيا.
ولفت وليم إلى أن تخفيف العقوبات قد يسهم في زيادة الإيرادات الروسية من الطاقة، بما يوفر لموسكو موارد إضافية في وقت تحتاج فيه أوكرانيا إلى استمرار الضغط الاقتصادي عليها، مشددة على ضرورة تقييم أي تفاهمات في قطاع الطاقة ليس فقط وفق تأثيرها المحتمل على الأسعار، وإنما أيضًا وفق شروطها ومدتها والضمانات المصاحبة لها، ومدى ارتباطها بخطوات روسية مقابلة نحو وقف الحرب.
وأكدت أن التعاون الاقتصادي لا يمثل مشكلة في حد ذاته، لكن منح مزايا اقتصادية دون التزامات سياسية أو أمنية واضحة قد يؤدي إلى اختلال في توازن الحوافز بين أطراف الصراع.
وفيما يتعلق بالهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية، أوضحت الباحثة أن كييف تنظر إلى هذه الهجمات باعتبارها إحدى الأدوات المتاحة لاستهداف البنية الاقتصادية التي تسهم في تمويل العمليات العسكرية الروسية، بينما ينظر ترامب إليها من زاوية تأثيرها المحتمل في أسواق الوقود، فضلًا عن إمكانية تعقيدها مسار التفاهمات مع موسكو.
وأضافت أن هذا التباين يكشف عن اختلاف الأولويات بين طرفين يفترض أن تجمعهما شراكة استراتيجية، حيث تسعى أوكرانيا إلى الحفاظ على قدرتها على الدفاع عن نفسها وتعزيز موقعها التفاوضي، في حين تحاول واشنطن تقليص تكلفة الحرب والوصول إلى تسوية في إطار زمني أقصر.
ولفتت وليم إلى أن التقارب المحدود بين واشنطن وموسكو في قطاع الطاقة يغير حسابات زيلينسكي، لأنه يضيف عاملًا جديدًا إلى معادلة اعتماد كييف على الدعم الأمريكي، موضحة أنه كلما ازدادت أولوية المصالح الاقتصادية الداخلية في حسابات الإدارة الأمريكية، أصبح استمرار الدعم مرتبطًا بصورة أكبر بمدى توافق الخيارات الأوكرانية مع رؤية ترامب لإنهاء الحرب.
وشددت على أن ذلك لا يعني ضرورة قبول كييف أي تسوية تحت الضغط، بل يبرز أهمية تنويع مصادر الدعم وتعزيز التنسيق مع الدول الأوروبية، إلى جانب صياغة موقف تفاوضي واضح يربط أي تنازلات بضمانات أمنية قابلة للتنفيذ.
واختتمت الباحثة في العلاقات الدولية بالتأكيد على أن رحيل زيلينسكي لا يحل، في حد ذاته، معضلة الضمانات الأمنية، ولا يضمن استعداد روسيا لاحترام أي اتفاق مستقبلي، موضحة أن تغيير زيلينسكي قد يبدل أسلوب التفاوض، لكنه لا يلغي المصالح الأوكرانية المتعلقة بالسيادة وسلامة الأراضي، ولا يعفي موسكو من تقديم التزامات واضحة بشأن وقف العمليات العسكرية.



