عاجل

كلما عدنا إلى أكتوبر، لا نستعيد فقط مشاهد العبور والانتصار، ولا نتوقف عند بطولات المقاتلين الذين استردوا لمصر كرامتها وثقتها بنفسها، وإنما نحتاج إلى أن نتأمل كيف صُنِع هذا النصر، وما الذي جعل جيشًا قرر أن يعبر المستحيل قادرًا على تغيير واقع ظن العدو أنه أصبح أمرًا مفروضًا لا يمكن تغييره.

فنصر أكتوبر لم يكن لحظة شجاعة عابرة، ولا معركة حُسمت بقوة السلاح وحدها، بل كان حصيلة منظومة متكاملة، بدأت  بقرار و بعقيدة قتالية تؤمن بأن الأرض لا تُسترد إلا بالإرادة والعمل،  "النصر أو الشهادة "، وبتخطيط استراتيجي طويل النفس، واستعداد لم يترك التفاصيل للمصادفة، وقيادة أدركت أن الانتصار لا تصنعه الرغبة وحدها، وإنما تصنعه القدرة على تحويل هذه الرغبة إلى خطة قابلة للتنفيذ استفادت فيها من أفكار الشباب وابداعهم ولنا في فكرة استخدام خراطيم المياه لفتح ثغرات في خط بارليف المنيع ، وسد فوهات النابالم بقوات الصاعقة من الغطاسين نماذج غيرها المئات.. 
فلم يكن المطلوب أن يعبر الجنود قناة السويس فحسب، بل أن يتجاوزوا آثار الهزيمة، وأن يستعيدوا الثقة في أنفسهم وفي قدرتهم على المواجهة، وأن يثبتوا أن الإنسان حين يمتلك الهدف والإيمان به، ويجد وراءه قيادة تخطط وتستعد، يستطيع أن يغير موازين القوة.

ومن هنا جاءت قيمة الاستعداد والتخطيط الاستراتيجي، اللذين لم يقتصرا على دراسة مسرح العمليات واختيار التوقيت المناسب، بل امتدا إلى فهم العدو، وتحديد نقاط قوته وضعفه، وبناء القدرات اللازمة لمواجهته، وإدارة المعركة وفق حسابات دقيقة ، تكرار التدريب حتي جاءت المعركة كطوفان أطاح بأوهام العدو .. لكنه  مداد خطط شاملة تطورت من جرانيت لبدر للمآذن العالية .. مراحل إعداد طويل، وليس وليد اندفاع لحظي، ونتيجة معرفة دقيقة بما يمكن تحقيقه بالأرقام والامكانيات القليلة مقارنة بالعدو، وليس مجرد أمنيات معلقة على حسن الحظ.

وعندما ننظر الي الصورة بعد 53 عامل من النصر نري انها  لا تكتمل عند حدود الجبهة العسكرية. .فالحروب لا تخوضها القوات المسلحة بمعزل عن الدولة والمجتمع، ولا تستمر فيها الجبهة الأمامية قوية إذا انهارت الجبهة الداخلية أو عجزت مؤسسات الدولة عن توفير احتياجات المواطنين.

وهنا تظهر واحدة من أهم ملامح أكتوبر، وهي القدرة على إدارة الحياة في الداخل بالتوازي مع الاستعداد للمواجهة. فاستمرار تدبير احتياجات المواطنين، وتأمين الإمدادات والسلع الغذائية، والحفاظ على انتظام الحياة قدر الإمكان، منها ما تم بتسريب معلومات بأن أمطار الشتاء قد غمرت صوامع القمح، وأفسدت ما بها، وتحوّل الأمر لفضيحة إعلامية استوردت مصر على أثرها الكميات المطلوبة..كانت جميعها  تفاصيل و جوانب مهمة في قدرة الدولة على الصمود. 
فالجبهة الداخلية ليست تفصيلًا جانبيًا في معادلة الحرب، بل هي جزء من معادلة القوة، واستقرارها يساند المقاتل ويمنح الدولة مساحة أكبر للتحرك وتحمل الضغوط.

وفي الوقت نفسه، كان الخداع الاستراتيجي أحد أبرز دروس أكتوبر.. لم يكن مجرد إخفاء لموعد الحرب، بل جزءًا من إدارة المعركة، حيث تضافرت السرية والانضباط والتحركات المحسوبة مع إعداد القوات وتنفيذ الخطة، بما أسهم في تحقيق عنصر المفاجأة.. يري اننا ننقل قوات ومعدات ثقيلة لكنه لا يدرك انها الحرب !
لذلك أثبتت التجربة أن التفوق لا يُقاس بما يمتلكه طرف من أدوات فقط، وإنما أيضًا بقدرته على إدارة المعلومات، وقراءة خصمه، وإخفاء نواياه حتى اللحظة المناسبة.

وامتدت معركة أكتوبر إلى ما وراء خطوط المواجهة. فقد كان للتحرك السياسي والدبلوماسي، وللعلاقات العربية وما صاحبها من أشكال الدعم والتضامن، دور في تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بالحرب. فالمعارك الكبرى لا تُدار بالسلاح وحده، بل تتداخل فيها المصالح والتحالفات والقدرة على حشد المواقف، وهو ما يجعل التنسيق السياسي والدبلوماسي عنصرًا مهمًا في حماية المصالح الوطنية وتعزيز الموقف المصري.

ثم جاءت مرحلة إدارة نتائج الحرب، بما حملته من حسابات عسكرية وسياسية معقدة، وصولًا إلى قبول وقف إطلاق النار، ثم المسار السياسي الذي انتهى باتفاقية السلام واستكمال استعادة سيناء. وهنا أيضًا تتجلى ملامح الدولة التي لا تتعامل مع الحرب باعتبارها غاية في ذاتها، وإنما باعتبارها وسيلة لحماية الأرض واسترداد الحقوق، ثم توظيف ما تحقق للانتقال إلى مرحلة جديدة من إدارة الصراع.

واستعادة سيناء لم تكن حدثًا منفصلًا عن نصر أكتوبر، بل كانت امتدادًا لمسار طويل تداخلت فيه التضحيات العسكرية مع التحركات السياسية والدبلوماسية، حتى اكتمل الانسحاب الإسرائيلي من سيناء عام 1982، مع بقاء قضية طابا التي استُعيدت لاحقًا عام 1989. وهكذا اكتمل استرداد الأرض المصرية، وتأكد أن النصر الحقيقي هو الذي يحمي الوطن وحقوقه، ويمتلك القدرة على تحويل الإنجاز العسكري إلى واقع مستقر.

هذه هي روح أكتوبر التي نحتاج إلى استعادتها اليوم، لا باعتبارها فقط  ذكرى نحتفي بها كل عام، ولا بوصفها حكاية من الماضي نطمئن إلى أننا أنجزناها، وإنما باعتبارها منهجًا في التفكير والعمل ومواجهة التحديات.

فالتحديات التي تواجه الدولة المصرية اليوم، على اختلاف طبيعتها عن تحديات الحرب، تفرض علينا أن نستحضر الدروس ذاتها: الاستعداد قبل وقوع الأزمة، والتخطيط بعيدًا عن ردود الفعل المتسرعة، والتنسيق بين مؤسسات الدولة، دور الشباب والاستفادة من افكاره وابداعاته ،وتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين، وبناء الوعي، والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية، وإدارة العلاقات الإقليمية والدولية بما يحمي المصالح الوطنية.

ولعل أهم ما يميز روح أكتوبر أنها لم تكن روح الجيش وحده، رغم أن بطولته كانت في قلب المشهد، بل كانت تعبيرًا  وانعكاساً لإرادة دولة وشعب، لكل منهما دوره في معركة استعادة الأرض والكرامة. 
فالمقاتل الذي عبر القناة كان يحتاج إلى دولة تخطط وتوفر الإمكانات، وشعب يصبر ويتحمل، ومؤسسات تدير الداخل، ورؤية تعرف متى تواجه، ومتى تتحرك سياسيًا، وكيف تحافظ على الهدف حتى يتحقق.

لهذا، فإن استدعاء أكتوبر اليوم لا يعني أن ننتظر الظروف نفسها أو نبحث عن معركة مشابهة، بل أن نتعلم كيف واجه المصريون ظروفًا شديدة الصعوبة، وكيف تحولت الإرادة إلى استعداد، والاستعداد إلى فعل، والفعل إلى إنجاز امتدت نتائجه سنوات طويلة.

إن روح أكتوبر تمنحنا الطمأنينة، لكنها لا تدعونا إلى الارتكان  المفرط الي الأمان. . بل الاستعداد دوما لكل السيناريوهات ، اليقظة التامة التي  تقول لنا إن المصري قادر على التحدي، وإن الصعوبات مهما تعاظمت لا تعني استحالة تجاوزها، بشرط أن نمتلك الرؤية والإرادة، وأن نعمل معًا، وأن ندرك أن قوة الوطن لا تقوم على عنصر واحد، بل على تكامل جيشه ومؤسساته وشعبه.

لقد أثبت أكتوبر أن هذا الشعب، حين يدرك حجم المسؤولية ويعرف قيمة وطنه، يستطيع أن يقدم ما يفوق التوقعات. وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي نحتاج إليها اليوم من روح أكتوبر: أن النصر ليس لحظة تنتهي بانتهاء المعركة، وإنما قدرة متجددة على حماية ما تحقق، ومواجهة ما يستجد لتأمين المستقبل.

تم نسخ الرابط