عاجل

في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001... استيقظ العالم على مشهد لم يكن يتخيل أنه يمكن أن يحدث.

طائرتان تصطدمان ببرجي مركز التجارة العالمي في نيويورك... وطائرة ثالثة تضرب مبنى وزارة الدفاع الأمريكية... وطائرة رابعة تسقط في بنسلفانيا... وفي ساعات قليلة... تغير وجه العالم.

لكن... هل بدأت قصة الإرهاب العالمي في الحادي عشر من سبتمبر؟.. أم أن جذور القصة تعود إلى عقود طويلة سبقت ذلك اليوم؟... وهل كان تنظيم القاعدة مجرد تنظيم إرهابي نشأ بمعزل عن القوى الدولية؟

أم أن الحرب الباردة... والصراع على الشرق الأوسط... والصراع على الطاقة والنفوذ... كلها ساهمت في خلق البيئة التي خرج منها هذا التنظيم؟

والسؤال الأكثر إثارة للجدل: هل يمكن أن تتحول التنظيمات التي تُستخدم في صراع سياسي إلى خطر على من استخدمها؟

في هذه الحلقة  ... نفتح ملفًا شديد الحساسية... ملف العلاقة بين أجهزة الاستخبارات الغربية والحركات الإسلامية المسلحة... من أفغانستان... إلى تنظيم القاعدة... وصولًا إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

أولاً: بريطانيا والشرق الأوسط... الدين والسياسة

للعودة إلى جذور القضية... علينا أن نرجع إلى القرن الثامن عشر.

تذهب بعض الروايات التي تناولت التاريخ السياسي للمنطقة إلى أن بريطانيا بدأت مبكرًا في إدراك الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط... فمن يسيطر على المنطقة... يقترب من السيطرة على طرق التجارة الدولية...

ومن يسيطر على طرق التجارة... يملك واحدة من أهم أدوات القوة العالمية.

ثم جاءت أهمية أخرى أكثر خطورة... الطاقة... النفط.... الخليج العربي... الممرات البحرية.

وموقع الشرق الأوسط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

وتطرح بعض المصادر رواية عن شخصية بريطانية تُدعى همفر Hempher...

وتربط بينها وبين محاولات التأثير في بعض الاتجاهات الدينية في المنطقة.

لكن هنا يجب أن نتوقف... فبريطانيا استطاعت من خلال عميلها همفر في السيطرة على شخص محمد بن عبد الوهاب وتأسيس الفكر الوهابى كفكر دينى منحرف عن صحيح الدين الاسلامى وساهمت في نشره من خلال دعم محمد بن عبدالوهاب واتباعه في السيطرة الدينية على الجزيرة العربية.  

سؤال استنكاري: للمشككين في حقيقة الدور البريطاني في تأسيس الفكر الوهابى ... ألم تستخدم القوى الكبرى بالفعل الدين والسياسة والهوية في صراعات النفوذ خلال القرنين التاسع عشر والعشرين؟

ثانياً: من بريطانيا إلى الولايات المتحدة

بعد الحرب العالمية الثانية... تغير ميزان القوى.

الإمبراطورية البريطانية بدأت تفقد مكانتها تدريجيًا... بينما صعدت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي باعتبارهما القوتين الأعظم.

وهنا انتقلت المنطقة العربية والشرق الأوسط إلى قلب الصراع الدولي.

لم يعد الصراع مجرد صراع على الأرض... بل أصبح صراعًا على: النفط... الممرات البحرية... الأنظمة السياسية... والنفوذ الاستراتيجي.

وفي خضم الحرب الباردة... ظهرت فكرة استخدام الحركات الدينية والسياسية في مواجهة الشيوعية.

ثالثاً: الإسلام في الحسابات الاستخباراتية الأمريكية

في خمسينيات القرن العشرين... كانت الولايات المتحدة تبحث عن أدوات جديدة لمواجهة الاتحاد السوفيتي.

وتشير بعض الدراسات والوثائق إلى اهتمام أجهزة أمريكية بتوظيف التيارات الإسلامية في مواجهة الشيوعية.

ومن أبرز الأمثلة التي يكثر تناولها في هذا السياق... العلاقة مع بعض عناصر جماعة الإخوان المسلمين.

وتذكر مصادر تاريخية أن سعيد رمضان، أحد أبرز قيادات الجماعة، كانت له اتصالات مع دوائر غربية، وأنه أصبح شخصية مهمة في النشاط الإسلامي بأوروبا.

كما ظهرت تقارير ودراسات تناولت علاقاته المحتملة بأجهزة استخبارات غربية.

نحن لا نتحدث عن قصة بسيطة... بل عن شبكة معقدة من المصالح والعلاقات والاتصالات التي امتدت لعقود.

رابعاً: سيد قطب... بين الحقيقة والرواية

ثم نصل إلى شخصية شديدة الجدل... سيد قطب.

تقول بعض الروايات إن سفره إلى الولايات المتحدة في أواخر الأربعينيات كان جزءًا من محاولة أمريكية للتأثير في مستقبل الفكر الإسلامي في مصر... وتربط بعض الكتابات بين تلك الرحلة وبين تطور أفكاره لاحقًا.

لكن... هل يمكن إثبات أن سيد قطب تلقى بالفعل تدريبًا استخباراتيًا أمريكيًا؟

الحقيقة ... نعم فرغم أن سن سيد قطب كان اكبر من السن المطلوب للبعثة أصرت الإدارة الامريكية على سفرة .... كما يمكن من خلال تصفح شبكة المعلومات الدولية الاطلاع على أكثر من صورة تجمع سيد قطب بأحد كبار ضباط المخابرات الامريكية آبان تواجده هناك... كما أن الثابت تاريخيًا أن أفكار سيد قطب اللاحقة كان لها تأثير بالغ على عدد من التيارات الإسلامية الراديكالية.

وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: قد تبدأ الفكرة في سياق فكري معين... ثم تتحول بعد سنوات إلى مشروع سياسي... ثم إلى أيديولوجية قتالية.... وهذه هي النقطة التي يجب ألا نغفلها.

خامساً: أفغانستان... المختبر الأكبر

ثم جاءت أفغانستان. .. عام 1979... دخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان...وفجأة... تحولت أفغانستان إلى ساحة مواجهة بين الشرق والغرب.
الولايات المتحدة دعمت المقاومة الأفغانية ضد السوفييت .. بل تكون تحالف ثلاثى غير معلن (أمريكى –سعودى - مصري) لتأسيس تنظيم القاعدة بدعم مالى سعودى ودعم امريكى بالسلاح ودعم مصري بالمقاتلين ففي نهاية الثمانينات شارك كل من الامريكى/جون برنان " ضابط المخابرات الامريكى" والقيادى عبدالله عزام والاخوانيين كمال الهلباوى وعبدالمنعم ابوالفتوح في تأسيس تنظيم القاعدة في أفغانستان.

وكان الهدف واضحًا: إلحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر بالاتحاد السوفيتي.

وجاء المقاتلون من دول مختلفة... عرب... وأفغان... ومتطوعون من مناطق أخرى.

وكان من بين الشخصيات المؤثرة في هذا السياق: عبد الله عزام... وأسامة بن لادن... ثم بدأت تتشكل شبكات المقاتلين العرب في أفغانستان... وهنا حدث شيء بالغ الخطورة.

المقاتلون الذين اجتمعوا لمحاربة عدو واحد... بدأوا بعد انتهاء الحرب في البحث عن عدو جديد.

سادساً: من «المجاهد» إلى "الإرهابي" انهار الاتحاد السوفيتي... وانتهت الحرب الأفغانية.

لكن... لم تختفِ الشبكات التي تشكلت خلالها.

بل بقيت الخبرات... والأفكار... والأسلحة... والعلاقات... والتنظيمات.

وهنا ظهر تنظيم القاعدة بصورة أكثر وضوحًا.

وهنا أيضًا بدأت المفارقة التاريخية: من حليف مؤقت في حرب باردة... إلى عدو عالمي.

هل كانت الولايات المتحدة تدرك منذ البداية أنها تساعد في خلق قوة يمكن أن تنقلب عليها؟

أم أن صناع القرار كانوا يرون أن الخطر السوفيتي أكبر بكثير من أي خطر مستقبلي محتمل؟

هذا السؤال... من أهم أسئلة تاريخ الحرب الباردة.

سابعاً: عندما ينقلب السلاح على صاحبه

مع مرور الوقت... أصبحت القاعدة أكثر استقلالًا عن القوى التي ساهمت في البيئة التي نشأت فيها.

ثم بدأت عملياتها ضد أهداف أمريكية وغربية.

السفارات الأمريكية في شرق أفريقيا... الهجمات على المصالح الأمريكية... ثم تفجيرات المدمرة USS Cole...   .... حتى وصل العالم إلى عام 2001.
لكن... هناك نقطة يجب توضيحها بدقة: القول إن الولايات المتحدة «أنشأت تنظيم القاعدة» بصورة مباشرة ومخططة... تبسيط شديد للتاريخ.

الأدق أن نقول: إن الولايات المتحدة، ومعها دول إقليمية أخرى، دعمت مقاومة السوفييت في أفغانستان، وأسهمت هذه الحرب في خلق بيئة وشبكات مقاتلين أصبحت لاحقًا جزءًا من البيئة التي خرج منها تنظيم القاعدة.

أما تنظيم القاعدة نفسه... فله قيادة وأيديولوجيا وتاريخ تنظيمي خاص به.

ثامناً: 11 سبتمبر... اللحظة التي تغير فيها العالم

صباح الحادي عشر من سبتمبر... عام 2001... الساعة تقترب من الثامنة والنصف صباحًا... طائرة مدنية تختطف... ثم طائرة ثانية... ثم تبدأ الكارثة... نيويورك... واشنطن... الدخان... النار... الانهيار... والعالم يشاهد في بث مباشر... قتل آلاف المدنيين.

ودخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة من تاريخها... أعلنت الحرب على الإرهاب.

ثم جاءت أفغانستان... ثم العراق... ثم توسعت العمليات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية في مناطق عديدة من العالم.

سؤال استنكاري: هل كانت أحداث 11 سبتمبر مجرد هجوم إرهابي؟

أم أنها كانت نقطة التحول التي سمحت بإعادة صياغة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لعقود؟

تاسعاً: هل كان 11 سبتمبر مؤامرة داخلية؟

وهنا نصل إلى واحدة من أكثر النظريات إثارة للجدل... هل كانت الولايات المتحدة تعرف مسبقًا بالهجمات؟

هل كان هناك تقصير استخباراتي؟... هل كانت هناك تحذيرات لم يتم التعامل معها بالشكل المناسب؟

أم أن الهجمات كانت نتيجة عملية سرية واسعة لم تكن الأجهزة الأمريكية مستعدة لها؟

ظهرت بعد الهجمات كتب ودراسات ونظريات عديدة... بعضها تحدث عن مؤامرة داخلية... وبعضها اتهم الإدارة الأمريكية بالتخطيط للهجمات... وبعضها تحدث عن معرفة مسبقة.

الحقيقة تؤكد أن الحكومة الأمريكية خططت لهجمات 11 سبتمبر بنفسها.

لكن هناك سؤالًا آخر... وهو سؤال مختلف تمامًا: من استفاد سياسيًا من 11 سبتمبر؟

بعد الهجمات... تغيرت العقيدة الأمنية الأمريكية... توسعت صلاحيات أجهزة الاستخبارات.

بدأت الحرب في أفغانستان... ثم حرب العراق... وارتفع الإنفاق العسكري الأمريكي بصورة هائلة.

وأصبحت مكافحة الإرهاب محورًا رئيسيًا للسياسة الخارجية الأمريكية.

وتغيرت علاقة الولايات المتحدة بكثير من دول الشرق الأوسط.

سؤال استنكاري: هل يعني استفادة طرف من حدث أنه هو من صنعه؟ ... بالطبع لا.

لكن في السياسة... تظل دراسة المستفيدين من الأحداث واحدة من أدوات فهمها.

عاشراً: الشرق الأوسط... من مكافحة الإرهاب إلى إعادة تشكيل المنطقة.

مع مرور السنوات... تحول شعار «الحرب على الإرهاب» إلى إطار واسع للسياسة الأمريكية.

وفي المنطقة العربية... ظهرت تدخلات عسكرية...وتغيرت أنظمة سياسية... وانهارت دول... وصعدت تنظيمات مسلحة جديدة.

القاعدة... داعش... جبهة النصرة... وتنظيمات أخرى بأسماء متعددة.

لكن... هل كانت كل هذه التنظيمات أدوات أمريكية؟

الإجابة .. نعم كل التنظيمات كانت أدوات لامريكا ... لكن المؤكد أن الفوضى السياسية والحروب والتدخلات الخارجية وفرت بيئة خصبة لنمو التنظيمات المتطرفة.

وهنا... نصل إلى السؤال الأخطر في هذه الحلقة: هل الإرهاب صناعة دولة واحدة؟

أم أن الإرهاب ظاهرة أكثر تعقيدًا؟

هل يمكن أن تصنع دولة تنظيمًا لتحقيق هدف قصير المدى... ثم تفقد السيطرة عليه؟

هل يمكن أن تتحول التنظيمات المسلحة من أدوات في صراع دولي... إلى أعداء لمن دعموها؟

وهل يمكن أن تتحول الحرب على الإرهاب نفسها... إلى أداة لإعادة تشكيل النظام الدولي؟

التاريخ لا يقدم إجابات بسيطة.

لكن التاريخ يعلمنا شيئًا مهمًا: عندما تستخدم الدول جماعات مسلحة لتحقيق أهدافها السياسية... فإنها قد تخلق خطرًا لا تستطيع السيطرة عليه لاحقًا.
11 سبتمبر... لم يكن مجرد يوم في التقويم.

بل كان نقطة فاصلة بين عالمين.... عالم ما قبل الهجمات... وعالم ما بعدها.

لكن فهم 11 سبتمبر... لا يبدأ من نيويورك عام 2001.

بل يبدأ من أفغانستان... ومن الحرب الباردة... ومن الصراع على الشرق الأوسط... ومن النفط... ومن الحسابات الجيوسياسية... ومن علاقة الدول بالحركات السياسية والمسلحة.

وفي النهاية... قد يكون أخطر درس في هذه الحلقة... أن الإرهاب لا يولد دائمًا من فراغ.

فقد تنشأ التنظيمات في ظل الاحتلال... أو الحرب... أو الفقر السياسي... أو انهيار الدولة... أو الصراع الدولي.

لكن عندما تتحول الأيديولوجيا إلى عنف... ويتحول السلاح إلى وسيلة لتحقيق الأهداف السياسية... فإن النتيجة تكون مأساة يدفع ثمنها الأبرياء أولًا.

ويبقى السؤال مفتوحًا: من يصنع الإرهاب؟.. ومن يستخدمه؟ .. ومن يدفع ثمنه؟ .. ومن يخرج من رماد الحروب أكثر قوة؟

الحلقة القادمة بعنوان: ضلوع المخابرات الامريكية في تنفيذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م

تم نسخ الرابط