عاجل

في زمن أراد فيه البعض أن يحول مصر إلى مختبر لفوضى منظمة، وأرض خصبة لتجربة مشاريع الهدم والتمزيق، وقفت مصر شامخة كصخرة عاتية تتحطم عليها كل أمواج المؤامرة، لم يكن الأمر مصادفة، ولا مجرد حظ تاريخي، بل كان نتيجة إرادة شعبية صلبة، واصطفاف وطني لم تعرفه جماعة الإخوان الإرهابية في حساباتهم الضيقة، فتحطمت كل خططهم، وتبخرت أحلامهم في السيطرة والهيمنة، أمام حقيقة واحدة لا تقبل الجدل: مصر دولة عميقة الجذور، وشعب يرفض أن يباع أو يشتري، واستقرار وطني أصبح اليوم أقوى من أي تنظيم سري أو علني يحاول أن يزرع الفتنة.


لقد جاء الإخوان إلى السلطة عام 2012 وهم يحملون مشروعا ليس مصريا، بل مشروعا تنظيميا عابرا للحدود، يرى في الدولة المصرية مجرد وسيلة للوصول إلى حلم الخلافة الموهوم، لم يروا في الشعب شريكا، بل رأوا فيه قطيعا يجب ترويضه بالشعارات الدينية والوعود الكاذبة، كانوا يتحدثون عن «التمكين»، وعن «أخونة الدولة»، وعن استبدال مؤسسات الوطن بجهاز تنظيمي يدين بالولاء للمرشد لا للوطن، لكنهم نسوا، أو تناسوا، أن مصر ليست مجرد جغرافيا، بل تاريخ ممتد من الفراعنة إلى ثورة 30 يونيو، نسوا أن المصريين لا يقبلون أن يحكمو من خلف جدران التنظيم السري، ولا أن تدار شؤونهم بفتاوى جاهزة تخدم أجندة خارجية أكثر مما تخدم مصالحهم.

منذ اللحظة الأولى، بدأ المشروع الإخواني في كشف أوراقه، حاولوا التغلغل في الجيش والشرطة، فاصطدموا بمؤسسة وطنية تعرف جيدا أن ولاءها للوطن لا للتنظيم، حاولوا تغيير الهوية الثقافية والاجتماعية، فخرج الشعب في ميادين مصر كلها ليقول كلمته التاريخية في 30 يونيو 2013: «ارحلوا»، لم تكن تلك الانتفاضة مجرد احتجاج عابر، بل كانت إعلانا واضحا بأن المصريين قد اكتشفوا الخدعة، وأن مشروع الهدم قد انكشف أمام الجميع، لكن الإخوان لم يتعلموا الدرس، بعد سقوطهم، تحولوا إلى أدوات للتخريب والتشويه، مولوا الإرهاب في سيناء، وحرضوا على العنف في الشوارع، ونشروا الشائعات عبر فضائيات خارجية تحولت إلى أبواق للأكاذيب، حاولوا تصوير مصر على أنها دولة فاشلة، واقتصادها منهارة، وشعبها مقموع، لكن الحقيقة كانت أقوى من كل دعايتهم السوداء، مصر التي أرادوا هدمها هي نفسها التي حققت إنجازات غير مسبوقة في البنية التحتية، والطاقة، والإسكان، والأمن، مصر التي أرادوا تفكيكها هي نفسها التي أصرت على الاصطفاف خلف قيادتها، ورفضت أن تكون ساحة لصراعات إقليمية أو مشاريع إخوانية عابرة.

الاصطفاف الداخلي كان السلاح الأمضى في مواجهة مخططات الهدم، لم يكن سياسيا سطحيا، بل كان شعبيا حقيقيا، المصريون، بكل أطيافهم، أدركوا أن الخطر لم يعد مقتصرا على جماعة سياسية، بل أصبح خطرا وجوديا يهدد الدولة ذاتها، لهذا وقف الجميع، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ومن المثقفين إلى البسطاء، خلف هدف واحد: حماية الاستقرار، الجيش المصري، الذي حاول الإخوان تشويهه وتشويه صورته، ظل الحصن الحصين، والدرع الذي يحمي الوطن من الفوضى، والشعب، الذي حاولوا استغلاله بالشعارات الدينية، أثبت أنه أذكى من أن يخدع مرتين.

اليوم، بعد أكثر من عقد على سقوط مشروعهم، يتضح للجميع أن محاولات الهدم قد تحطمت تماما، التنظيم الذي كان يحلم بالسيطرة على مصر أصبح مشتتا بين السجون والمنافي، وأصبح رموزه إما هاربين أو مسجونين، المشاريع الإعلامية انكشفت أمام الرأي العام، وتحولت إلى نكات يتداولها المصريون بسخرية مرة، أما الاستقرار الوطني، فقد أصبح أقوى وأكثر رسوخا، مصر اليوم ليست مجرد دولة تواجه التحديات، بل دولة تصنع مستقبلها بثقة واقتدار.

إن من يحاول هدم مصر سيتحطم هو نفسه على صخرتها، الإخوان الإرهابية فشلوا لأنهم واجهوا شعبا يعرف قيمة وطنه، ويحمي استقراره بكل غال ونفيس، فشلوا لأن مشروعهم كان ضد التاريخ، وضد الجغرافيا، وضد طبيعة المصريين الذين يرفضون أن يكونوا أدوات في يد أي تنظيم يدعي الوصاية على الدين أو على السياسة.

لهذا ستظل المعركة الحقيقية خلال السنوات المقبلة معركة وعي بالدرجة الأولى، الهدم لا يبدأ دائما من الشارع؛ أحيانا يبدأ من فكرة يتم تكرارها، أو شائعة يتم تداولها، أو كذبة يتم تقديمها في صورة حقيقة، أو خطاب يحاول إقناع المواطن بأن الدولة هي خصمه الطبيعي، ومواجهة هذا النوع من الهدم تحتاج إلى مجتمع يعرف تاريخه، ويفهم تحدياته، ويميز بين النقد الذي يساهم في الإصلاح وبين التحريض الذي يستهدف إسقاط الثقة في الدولة.

لقد سقطت رهانات كثيرة لأنها اصطدمت بمصر الحقيقية؛ مصر التي قد تختلف وتتجادل وتنتقد، لكنها عندما يتعلق الأمر ببقاء الدولة تعرف جيدا أين تقف وهذه ربما كانت الرسالة الأهم التي أفرزتها السنوات الماضية: الاستقرار الوطني و قدرة الدولة والمجتمع على إدارة الأزمات دون أن تتحول إلى بوابة للهدم، وعندما يجتمع وعي المجتمع مع قوة المؤسسات وصلابة الدولة، فإن كل مشروع يقوم على الفوضى والاستقطاب والتفكيك يجد نفسه في النهاية أمام صخرة يصعب كسرها ألا وهي صخرة الدولة المصرية.

تم نسخ الرابط