ماذا تبقى من برنامج إيران النووي بعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية؟
بعد أشهر من الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت أبرز منشآت تخصيب اليورانيوم في إيران، لا يزال حجم ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني وقدرة طهران على استئناف عمليات التخصيب غير واضحين، وسط غموض مستمر بشأن مصير جزء كبير من مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.
ومع مطالبة الولايات المتحدة إيران بخفض قدرتها على تخصيب اليورانيوم بشكل "ملموس"، يبرز سؤال أساسي بشأن ما تبقى فعليا من البنية التحتية النووية الإيرانية والمخزون المخصب بعد القصف، ومدى قدرة طهران على إعادة تشغيل برنامجها بالمستوى الذي كان عليه قبل الهجمات.
ماذا كان لدى إيران قبل القصف؟
بدأت إسرائيل في 13 يونيو 2025 شن غارات جوية على المنشآت النووية الإيرانية، قبل أن تنضم الولايات المتحدة إلى الحملة التي استمرت 12 يوماً. وخلال تلك الفترة، دمر البلدان أو ألحقا أضراراً جسيمة بالمنشآت الثلاث لتخصيب اليورانيوم التي كانت معروفة بأنها تعمل في إيران آنذاك.
وقالت الولايات المتحدة وإسرائيل إن إيران كانت تقترب بشدة من امتلاك القدرة على إنتاج سلاح نووي، لكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي هيئة الرقابة النووية التابعة للأمم المتحدة، قالت إنها لم تكن تملك مؤشرات موثوقة على وجود برنامج منظم لإنتاج الأسلحة النووية.
وفي المقابل، كانت إيران تخصب اليورانيوم إلى درجة نقاء تصل إلى 60%، وهي نسبة تقترب من مستوى 90% تقريباً المطلوب لصناعة الأسلحة النووية، وفق ما أوردته "رويترز".
وقدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كان بإمكانها الوصول إلى جميع المواقع النووية الإيرانية المعلنة، بما فيها منشآت التخصيب، حتى بدء الحملة الجوية الأمريكية والإسرائيلية، أن إيران كانت تمتلك 440.9 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60% عند بدء الضربات.
وبحسب معايير الوكالة، فإن هذه الكمية يمكن، إذا جرى رفع مستوى تخصيبها إلى درجات أعلى، أن تكفي لإنتاج عشرة أسلحة نووية. كما كانت إيران تمتلك مخزونات أخرى من اليورانيوم المخصب بمستويات أقل.
ولم تقم أي دولة أخرى بتخصيب اليورانيوم إلى هذا المستوى المرتفع من دون أن تنتج أسلحة نووية، بحسب المعطيات الواردة.
وتقول الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون إنه لا يوجد مبرر مدني واضح لامتلاك إيران هذا المستوى من التخصيب، بينما أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن مستوى التخصيب وحجم الكمية المنتجة يثيران "قلقاً بالغاً".
في المقابل، تؤكد إيران باستمرار أنها لا ترغب في تطوير أسلحة نووية ولا تسعى إلى امتلاكها.
ماذا تبقى من البرنامج النووي؟
لم تبلغ إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية بكمية اليورانيوم المخصب التي نجت من الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، كما لم تبلغها بمكان وجود هذه الكميات.
كذلك، لم تسمح طهران لمفتشي الوكالة بالعودة إلى المواقع النووية التي تعرضت للقصف منذ بدء الهجمات، ما أدى إلى استمرار حالة الغموض بشأن حجم الأضرار والمخزونات التي بقيت على حالها.
وقالت الوكالة إنه من بين منشآت التخصيب الثلاث، دُمرت المنشأة الوحيدة الموجودة فوق سطح الأرض في مجمع نطنز النووي المترامية أطرافه، أما المنشأتان الأخريان، في نطنز وفوردو، فقد تعرضتا على الأقل لأضرار بالغة، ويُعتقد على نطاق واسع أنهما أصبحتا خارج الخدمة نتيجة الضربات.
وقبل يوم واحد فقط من بدء الهجوم الإسرائيلي، أبلغت إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأنها ستفتح منشأة جديدة لتخصيب اليورانيوم في أصفهان.
ويقول دبلوماسيون إن هذه المنشأة تقع ضمن شبكة من الأنفاق التي يبدو أنها لم تتأثر إلى حد كبير بالقصف الأمريكي.
لكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية قالت إنها لا تعرف وضع هذه المنشأة حالياً، كما لا تعرف ما إذا كانت تحتوي على مواد نووية.
ورغم أن جزءاً من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب دُمر خلال الضربات الأمريكية والإسرائيلية، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل جروسي، في مارس الماضي، إن الوكالة تعتقد أن "ما يزيد قليلاً على 200 كيلوجرام" من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة تصل إلى 60% لا يزال موجودا في مجمع الأنفاق في أصفهان.
وأضاف جروسي أن كميات أخرى من اليورانيوم المخصب لا تزال موجودة في نطنز أيضا.
ما قدرة إيران على استئناف التخصيب؟
لا تقول أي جهة، بما في ذلك إسرائيل، الخصم اللدود لإيران، إن طهران تقوم حالياً بتخصيب اليورانيوم، فيما لا توجد إجابة حاسمة حتى الآن عن المدة التي ستحتاج إليها إيران لإعادة قدراتها إلى المستوى الذي كانت عليه قبل الضربات.
لكن بقاء جزء كبير من مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% يترك أمام إيران، من حيث المبدأ، إمكانية رفع درجة تخصيبه إلى مستوى يصلح للاستخدام في تصنيع الأسلحة، وذلك بجهد قليل نسبياً وباستخدام عدد محدود من أجهزة الطرد المركزي.
وتزداد صعوبة تقييم هذه القدرة بسبب عدم معرفة العدد الحالي لأجهزة الطرد المركزي الإيرانية وأماكن وجودها.
فقد منحت الاتفاقية النووية الموقعة عام 2015 بين إيران والقوى الكبرى الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات تفتيش إضافية، شملت مراقبة أعداد أجهزة الطرد المركزي وقطع الغيار الخاصة بها.
لكن انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الاتفاقية عام 2018 أدى إلى انهيارها، وفقدت الوكالة بعد ذلك القدرة على تتبع تلك الأجهزة، ولا تزال أعدادها ومواقع وجودها الحالية غير معروفة.
ماذا قال فانس بشأن التخصيب الإيراني؟
أثار نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، في مقابلة مع "رويترز"، تساؤلاً بشأن سبب امتلاك إيران يورانيوم مخصباً بنسبة 60% إذا كانت تؤكد أنها لا تريد امتلاك أسلحة نووية.
واعتبر فانس أن إجراء خفض ملموس في "القدرة على التخصيب" يمثل شرطاً أساسياً لتلبية المطالب الأمريكية وإنهاء الحرب.
وقال فانس: "فيما يتعلق باليورانيوم المخصب بنسبة 60%... أنا لست عالماً نووياً بالطبع، لكنني تعلمت حقيقة مفادها أنك لا تحتاج إلى هذا المستوى لإنتاج الطاقة. أنت لا تحتاجه لأي شيء سوى امتلاك يورانيوم (بدرجة نقاء) قريبة من الاستخدامات العسكرية".
وأضاف: "أعتقد أنهم إذا أرادوا إظهار التزامهم بعدم صنع سلاح نووي، فسيتخذون إجراءات ملموسة بشأن قدراتهم في مجال التخصيب. وحتى الآن، لم نشهد أي التزام طويل الأمد بفعل ذلك".
كيف يمكن لإيران تقليص قدراتها؟
لا توجد حالياً معلومات مؤكدة تفيد بأن إيران تستأنف عمليات تخصيب اليورانيوم، ولذلك فإن أي انخفاض في قدراتها سيُقاس على الأرجح مقارنة بالمستوى الذي كانت عليه قبل الضربات، عندما كانت تمتلك بنية تحتية كبيرة للتخصيب ومخزوناً كبيراً من اليورانيوم المخصب.
ويمكن أن يشمل أي اتفاق أو إجراءات لخفض هذه القدرات مستويات مختلفة، من بينها خفض درجة نقاء اليورانيوم المخصب، وتقليص حجم الإنتاج، أو تقليل عدد مواقع التخصيب التي يمكن لطهران تشغيلها.
لكن غياب وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواقع التي تعرضت للقصف، وعدم إعلان إيران حجم ومكان مخزونها الذي نجا من الهجمات، يجعلان تحديد الوضع الفعلي لبرنامجها النووي وقدرتها على استئناف التخصيب أمراً لا يزال يكتنفه قدر كبير من الغموض.