من العقوبات إلى أزمة القنصلية.. القصة الكاملة للمواجهة بين بريطانيا وإسرائيل
تصاعدت المواجهة بين بريطانيا وإسرائيل خلال الأسابيع الماضية، بعدما فرضت لندن إجراءات تستهدف المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، لترد تل أبيب بسلسلة من الخطوات المضادة، كان أبرزها قرار إنهاء عمل القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، قبل أن تنتهي الأزمة بتفاهم أبقى مبنى القنصلية مفتوحًا تحت مسمى «البعثة البريطانية في القدس».
البداية.. عقوبات بريطانية على المستوطنات
بدأت الأزمة عندما أعلنت الحكومة البريطانية، في سبتمبر الماضي، فرض حظر على استيراد السلع المصنعة داخل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى جانب عقوبات تستهدف شركات وأفرادًا مرتبطين بتوسيع المستوطنات.
وبررت لندن هذه الإجراءات بتصاعد النشاط الاستيطاني وأعمال العنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، مؤكدة أن التوسع الاستيطاني يهدد فرص إقامة دولة فلسطينية مستقبلية.
كما أعلنت بريطانيا تشديد القيود على بعض طلبات تراخيص تصدير الأسلحة والمعدات التي يمكن أن تساهم في دعم الاحتلال، في خطوة زادت من حدة التوتر مع الحكومة الإسرائيلية.

تصريحات بريطانية تشعل الخلاف
تزامن الإعلان عن العقوبات مع تصريحات حادة لوزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، انتقد فيها السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، واتهم الحكومة الإسرائيلية بعدم التحرك بالشكل الكافي لوقف اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين.
وأكدت لندن في الوقت نفسه تمسكها بموقفها القائل إن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، وهو موقف تتبناه الأمم المتحدة ومعظم دول العالم، بينما ترفضه إسرائيل.
إسرائيل ترد بإجراءات مضادة
ردت إسرائيل على التحركات البريطانية بإجراءات استهدفت أنشطة وشخصيات بريطانية، من بينها وقف مشاركة بريطانيا في بعض آليات تنسيق المساعدات في قطاع غزة، وإنهاء برنامج بريطاني لتدريب قوات السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.
كما أعلنت تل أبيب منع 12 شخصية بريطانية من دخول إسرائيل، بينهم سياسيون وبرلمانيون، في خطوة عكست انتقال الخلاف من التصريحات والعقوبات إلى إجراءات دبلوماسية مباشرة.
تل أبيب تطلب إغلاق القنصلية البريطانية
تصاعدت الأزمة بشكل أكبر في 8 سبتمبر، عندما أبلغت إسرائيل بريطانيا بضرورة إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية خلال 30 يومًا، وسحب الدبلوماسيين البريطانيين من المدينة.
وجاء القرار الإسرائيلي ردًا على العقوبات البريطانية المتعلقة بالمستوطنات، في وقت كانت فيه القنصلية تؤدي دورًا رئيسيًا في إدارة جانب من العلاقات البريطانية مع الفلسطينيين في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة.
بريطانيا تلوح بالرد
مع اقتراب انتهاء المهلة الإسرائيلية، أفادت وكالة «رويترز» بأن لندن كانت تدرس الرد على القرار الإسرائيلي بطرد عدد من الدبلوماسيين الإسرائيليين العاملين في السفارة الإسرائيلية لدى بريطانيا.
و كان من الممكن أن يشمل الرد البريطاني عددًا قريبًا من الدبلوماسيين المتأثرين بقرار إغلاق القنصلية، مما أثار مخاوف من تصعيد دبلوماسي أوسع بين البلدين.

إزالة لافتات القنصلية
ومع انتهاء المهلة الإسرائيلية، أزال العاملون في القنصلية البريطانية بالقدس الشرقية اللافتات واللوحات الموجودة على المبنى.
وأظهرت مشاهد نقلتها «رويترز» عمالًا يزيلون لوحة تحمل اسم «القنصلية البريطانية العامة»، إلى جانب لوحة أخرى تشير إلى القسم القنصلي، بينما ظل العلم البريطاني مرفوعًا فوق المبنى.
وبدا المشهد في ذلك الوقت وكأن القنصلية تتجه إلى الإغلاق بالفعل، خاصة مع إعلان إسرائيل إنهاء مهام القنصل العام وعدد من الدبلوماسيين البريطانيين.
إسرائيل تعلن إنهاء عمل القنصلية
وأكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن القنصل العام البريطاني ونحو 20 دبلوماسيًا سينهون مهامهم ويغادرون إسرائيل.
وأوضح ساعر أن إسرائيل سمحت للحكومة البريطانية بمواصلة العمل من مبنى القنصلية، ولكن ضمن نطاق محدود وبوجود عدد أقل من الدبلوماسيين، مع استمرار الحوار بين الجانبين بشأن القضايا محل الخلاف.
بريطانيا تحسم مصير المبنى
لكن الأزمة انتهت إلى صيغة مختلفة عن الإغلاق الكامل، بعدما أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أن مبنى القنصلية العامة البريطانية في القدس لن يغلق، عقب إجراء مباحثات مع الحكومة الإسرائيلية.
وأوضح ميليباند أن المبنى سيحمل اسم «البعثة البريطانية في القدس» بدلًا من «القنصلية العامة»، مع استمرار عمله في تقديم الخدمات الأساسية والتواصل مع الشعب الفلسطيني.

وأكدت وزارة الخارجية البريطانية أن تحويل القنصلية إلى بعثة يضمن استمرار الوجود البريطاني في القدس ودعم حل الدولتين، مع تمسك لندن بموقفها بأن القدس الشرقية أرض محتلة.
لندن تسحب عددًا من الموظفين مؤقتًا
وفي الوقت نفسه، أعلنت الخارجية البريطانية سحب عدد من الموظفين وأفراد عائلاتهم مؤقتًا، بسبب مخاوف تتعلق بأمنهم وسلامتهم، مؤكدة أنها ستعمل خلال الأشهر المقبلة على إعادة بناء حضورها في القدس.
كما أكدت بريطانيا أنها لن تتخذ إجراءات مماثلة ضد إسرائيل طالما استمرت المباحثات بين الجانبين وكانت ذات مصداقية.
السفارة البريطانية في تل أبيب خارج الأزمة
ولا يشمل الخلاف السفارة البريطانية في تل أبيب، التي تواصل عملها باعتبارها مقر التمثيل الدبلوماسي البريطاني الرسمي لدى إسرائيل.
أما المقر البريطاني في القدس، فيعود وجوده إلى نحو 200 عام، ويؤدي منذ سنوات دورًا مهمًا في إدارة العلاقات البريطانية مع الفلسطينيين في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب تقديم الخدمات القنصلية.
وبذلك، تحولت أزمة بدأت بعقوبات بريطانية على المستوطنات الإسرائيلية إلى مواجهة دبلوماسية شملت إجراءات متبادلة وتهديدات بطرد دبلوماسيين، قبل أن تنتهي مؤقتًا بتفاهم أبقى مبنى القنصلية مفتوحًا، مع تغيير صفته إلى «البعثة البريطانية في القدس»، بينما لا تزال الخلافات بين لندن وتل أبيب بشأن المستوطنات والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية قائمة.



