عاجل

دروس نصر أكتوبر تظل ميثاقًا غليظًا لمن أراد النهوض والعبور الحقيقي. ويكفي أن نستلهم درسًا واحدًا، وهو القضاء على أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، وقد قهرناه في الساعات الأولى، وقبل غروب شمس السادس من أكتوبر 1973 / العاشر من رمضان.
وهل هناك درس يوازي القدرات الفائقة والعزيمة الفولاذية التي تمتع بها جنودنا البواسل، وقدراتهم التي حيرت العالم بخبرائه العسكريين وقادته التي كانت تتباهى أن قناة السويس ستكون مقبرة محتومة، هكذا قالوا وبئس ما قالوا؟ وتناسوا أن العزيمة والأخذ بالأسباب وقدرات المصريين ليس لها حدود! خط بارليف؛ هذا المانع المائي الذي كان مقدرًا له أنه سياج لا يمكن هدمه ومن المستحيلات عبوره وتحويله إلى ركام، قالوا فيه ما قال مالك في الخمر. كانت الأفكار فعلًا خارج الصندوق، وبالمخالفة لكل الأبجديات المتعارف عليها عسكريًا.ويظل المقدم مهندس باقي زكي يوسف حاضرًا كأحد أبرز العقول التي صنعت نصر أكتوبر؛ فلم يكن مقاتلًا على خط النار فحسب، بل كان صاحب الفكرة العبقرية التي فتحت الباب أمام العبور التاريخي. من السد العالي إلى جبهة القتال، لقد كان ضابطًا مغوارًا في سلاح المهندسين، وسبق له العمل في بناء السد العالي، وهناك اكتسب الخبرات العملية حين شاهد كيف تُجرف الأتربة والصخور الضخمة باستخدام مضخات المياه العملاقة، وظلت التجربة محفورة في ذاكرته حتى اليوم.الفكرة التي غيّرت مسار الحرب.. إسرائيل كانت ترى أنه حصن منيع يستحيل اختراقه وإزالته، فحينها تقدّم باقي زكي يوسف بفكرته الجريئة إلى قادته: "لماذا لا نستخدم مضخات المياه لتجريف الساتر الترابي بدلاً من المتفجرات الثقيلة؟".ورغم غرابه  الاقتراح، فقد حاز على تصديق  القيادة، وتم تنفيذه بدقة مذهلة؛ ففي ساعات قليلة انهار الحصن الذي روّج له العدو لسنوات باعتباره "لا يقهر". وبفضل تلك الفكرة، تمكنت قوات المشاة المصرية من فتح الممرات اللازمة لعبور الدبابات والمعدات الثقيلة إلى شرق القناة. تحولت عبقرية اللواء باقي إلى "مفتاح النصر"، وكتب اسمه بحروف من ذهب في تاريخ العسكرية المصرية.
ظل اسم باقي زكي يوسف بعيدًا عن الأضواء لسنوات، إلى أن بدأ الباحثون العسكريون والكتّاب في تسليط الضوء على دوره التاريخي. كرّمه الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 1995، كما تم منحه وسام الجمهورية تقديرًا لإسهامه الفريد في معركة العبور.عُرف باقي زكي يوسف بإنسانيته وهدوئه واعتزازه بوطنه، وكان يرى أن ما فعله لم يكن "بطولة فردية"، بقدر ما هو "جزء من منظومة جماعية" قدّم فيها كل جندي وضابط ما بوسعه من أجل مصر. ظل حتى رحيله في يونيو 2018 رمزًا للوطنية الخالصة التي لا تعرف طائفية أو انقسامًا، في واحدة من أبرز الأفكار الهندسية التي ساهمت في تسهيل عبور القوات المصرية إلى الضفة الشرقية لقناة السويس.واستطاعت مصر توفير المضخات اللازمة لتنفيذ الفكرة مع الحرص على سرية الغرض في استخدامها في منظومة هندسية صُممت خصيصًا للتعامل مع الساتر الترابي. ثُبّتت المضخات على زوارق ووسائل عائمة داخل قناة السويس، لسحب مياه القناة وضخها بضغط وقوة دفع كبيرين باتجاه الساتر الترابي، مما أدى إلى تفتيت الرمال وتجريفها وفتح ممرات تسمح بعبور القوات والمعدات.ساهمت هذه الطريقة في التغلب على أحد أكبر العوائق الهندسية التي واجهت القوات المصرية خلال العبور؛ حيث تم فتح 81 ثغرة في الساتر الترابي، مع إنشاء الكباري والممرات اللازمة لعبور الدبابات والمعدات الثقيلة إلى الضفة الشرقية.لقد استنطق المصريون ما كان كامنًا من أفكار ما زالت مجالاً للبحث والتدقيق  والدراسة في كبريات المعاهد الاستراتيجية العسكرية. المصريون على مر الزمان رجال، وعقيدة جيشنا تختلف بالكلية عن كل الجيوش، وعند  المحن تكون المنح، وأن الموت في سبيل الوطن وتحريره هو ذروة الشرف. حفظ الله مصر؛ جيشًا وأرضًا وشعبًا ورئيسًا.

تم نسخ الرابط