عاجل

من سجن للسكان الأصليين إلى وجهة سياحية.. ما قصة جزيرة روتنيست الأسترالية؟

جزيرة روتنيست الأسترالية
جزيرة روتنيست الأسترالية

تقع جزيرة روتنيست، المعروفة باسم «وادجيموب» لدى السكان الأصليين من شعب نونغار، على بعد نحو 19 كيلومترًا من ساحل مدينة فريمانتل في أستراليا.

وتستقطب الجزيرة أكثر من 800 ألف زائر سنويًا، بفضل شواطئها الرملية البيضاء ومياهها شديدة الصفاء، إلى جانب حيوان «الكوكا» الذي يُعد من أشهر حيواناتها الأصلية، واشتهر عالميًا بصوره التي يظهر فيها وكأنه يبتسم أمام الكاميرات.

سجن للسكان الأصليين

ورغم شهرتها كوجهة سياحية، تحمل وادجيموب تاريخًا مؤلمًا بالنسبة للسكان الأصليين، إذ تتمتع الجزيرة بأهمية روحية عميقة لدى شعب نونغار.

وأوضح لين كولارد، الأستاذ الفخري في جامعة غرب أستراليا وأحد شيوخ شعب نونغار، أن الجزيرة تمثل في معتقدات شعبه موطنًا للأرواح، مشيرًا إلى أن أرواح الموتى، وفق أسطورة نونغار، تغادر أجسادهم وتتجه غربًا نحو الجزر.

وقال كولارد إن وادجيموب كانت دائمًا مرتبطة بعالم الأرواح، لكن أهميتها الروحية ازدادت بصورة مؤلمة خلال الحقبة الاستعمارية، بعدما أصبحت الجزيرة مسرحًا لعدد كبير من وفيات السكان الأصليين أثناء احتجازهم فيها.

تاريخ عمره 65 ألف عام

ويعد السكان الأصليون لأستراليا من أقدم الحضارات المستمرة في العالم، إذ عاشوا في أستراليا وحافظوا على ارتباطهم بأراضيها وبحارها وسمائها لما لا يقل عن 65 ألف عام.

وفي عام 1770، أعلنت بريطانيا سيادتها على أجزاء من شرق أستراليا، قبل وصول الأسطول الأول عام 1788، وكان معظمه يضم مستوطنين مدانين.

ومع توسع الاستعمار، اندلعت مواجهات عنيفة بين السكان الأصليين والقوات والمستوطنين البريطانيين، قبل أن تتحول وادجيموب عام 1838 إلى سجن مخصص للفتيان والرجال من السكان الأصليين.

ووصل السجناء الأوائل إلى الجزيرة عبر القوارب، واضطروا إلى النوم داخل كهف ساحلي، بينما كانوا يعملون على استخراج الحجر الجيري وبناء المنشآت الخاصة بالسجن.

ظروف احتجاز قاسية

وقال ستاسيوك إن معظم المحتجزين اتهموا بجرائم مثل سرقة الماشية أو حصص الدقيق، مشيرًا إلى أن نظام السجن كان غريبًا تمامًا عليهم، إذ كانوا يتهمون ويُحاكمون بلغة لا يفهمونها، ثم يجدون أنفسهم فجأة منفيين إلى جزيرة بعيدة، من دون معرفة متى سيتمكنون من رؤية عائلاتهم مجددًا.

وقطع بعض السجناء مسافات شاسعة للوصول إلى الجزيرة، من بينها مناطق نائية في كيمبرلي تبعد أكثر من 2000 كيلومتر. 

وكان بعض القادمين من المناطق الصحراوية يرون البحر للمرة الأولى في حياتهم.

ووفقًا لكولارد، كان من الشائع نقل السجناء وهم مكبلون من أعناقهم وأذرعهم وأرجلهم، قبل إخضاعهم فور وصولهم لأعمال شاقة في استخراج المواد وبناء البنية التحتية للجزيرة.

وقال ستاسيوك إن السجناء الأصليين هم من شيدوا الرصيف والأكواخ والسجن ومنزل الحاكم، مشيرًا إلى أن استخدامهم كعمالة منخفضة التكلفة ساعد السلطات الاستعمارية على تبرير نفقات إنشاء السجن، والاستفادة منهم في مشروعات أخرى.

ولم تكن ظروف الاحتجاز داخل الزنازين أفضل حالًا، إذ كان السجن مكتظًا وانتشرت فيه الأمراض، بينما زادت قسوة الحياة بسبب أحد المشرفين، هنري فنسنت، الذي وصفه ستاسيوك بأنه كان من أكثر المسؤولين وحشية.

وأشار إلى أن فنسنت كان أعور، وشارك في الحروب النابليونية، وكان يعاقب السجناء بتقييدهم داخل الزنازين وضربهم وإطلاق النار عليهم.

ورغم الاتهامات الموجهة إليه، لم يُدن فنسنت بأي من هذه الجرائم، وظل أحد شوارع الجزيرة يحمل اسمه حتى عام 2022.

ومع اقتراب نهاية القرن التاسع عشر، تصاعدت الدعوات لإغلاق السجن، بالتزامن مع إنشاء مزيد من السجون في البر الرئيسي وتزايد الاهتمام بتحويل الجزيرة إلى وجهة ترفيهية.

وفي عام 1902، أُغلق السجن رسميًا بعد 93 عامًا من تشغيله.

وخلال تلك الفترة، سُجن في وادجيموب نحو 4000 رجل وفتى من السكان الأصليين، فيما توفي 373 شخصًا داخل الجزيرة، دفن معظمهم في قبور مجهولة.

من السجن إلى وجهة سياحية

بعد إغلاق السجن، بدأت الجزيرة تدريجيًا في التحول إلى وجهة سياحية شهيرة، حتى أصبحت اليوم مقصدًا لمئات الآلاف من الزوار سنويًا.

ويجهل كثير من السياح الذين يزورون وادجيموب تاريخها المؤلم؛ فبينما يتنقلون بالدراجات على طرقها الواسعة، أو يمارسون الغوص بين الشعاب المرجانية، أو يتجولون في البلدة ذات الطابع الاستعماري، تظل وراء هذا المشهد السياحي ذاكرة ثقيلة مرتبطة بماضي الجزيرة.

وبعد فترة قصيرة من إغلاق السجن، بدأت السلطات في إعادة توظيف بعض منشآته، إذ حُوّل مبنى الزنازين الرئيسي إلى أماكن إقامة للسياح عام 1911.

ويرى كولارد أن التعديلات التي أُجريت على المبنى، ومنها هدم بعض الجدران وتركيب شبكات المياه والكهرباء، أدت إلى فقدان جانب كبير من تراثه التاريخي.

كما يلفت إلى مفارقة مؤلمة، تتمثل في إقامة السياح داخل أماكن كانت في الماضي مسرحًا لمعاناة وموت السجناء من السكان الأصليين.

ولم تتوقف المفارقة عند مبنى السجن، إذ تحولت المقبرة التي تضم قبورًا مجهولة لعدد من السجناء الذين توفوا في الجزيرة إلى مخيم سياحي عُرف باسم «تينتلاند».

وعلى مدى نحو 90 عامًا، كان المصطافون يقيمون على بُعد أمتار قليلة من أحد أكبر مواقع دفن السكان الأصليين في أستراليا، من دون إدراك كامل لما يمثله المكان من أهمية تاريخية وروحية.

واليوم، تحاول الجزيرة الجمع بين هويتها السياحية الحديثة وتاريخها الأصلي من خلال تنظيم جولات ثقافية يقدمها أفراد من السكان الأصليين، بهدف تعريف الزوار بتاريخ شعب نونغار وإرث الجزيرة الذي ظل طويلًا خلف صورتها السياحية الخلابة.

تم نسخ الرابط