عاجل

يشكّل الأمن الغذائي والمائي في مصر أحد أهم ملفات الأمن القومي ومستقبل التنمية، خاصة في ظل الضغوط السكانية والمناخية والاقتصادية، وتقلبات الأسواق العالمية، وتزايد الاعتماد على الواردات في كثير من السلع الاستراتيجية. ولذلك لم يعد كافيًا أن نتعامل مع المياه والغذاء بوصفهما ملفين منفصلين، بل أصبح من الضروري النظر إليهما بوصفهما منظومة واحدة ترتبط فيها الزراعة بالطاقة والصناعة والتصدير وفرص العمل. ومن هنا تأتي أهمية «منتدى مصر 2026»، بوصفه فرصة لتحويل النقاش إلى رؤى عملية وخريطة طريق قابلة للتنفيذ، تبدأ من كل قطرة مياه، وكل فدان، وكل فكرة علمية قادرة على صناعة فرق حقيقي في مستقبل مصر.
وفي تقديري، فإن السؤال الأهم الذي يجب أن يكون حاضرًا في نقاشات المنتدى ليس كيف نوفر المزيد من المياه أو نزرع المزيد من الأراضي، وإنما كيف نحصل على غذاء أكثر من كل قطرة مياه، ومن كل فدان، ومن كل وحدة طاقة. فالمستقبل لن يكون بالضرورة للدول التي تمتلك أكبر قدر من الموارد، وإنما للدول القادرة على إدارة مواردها المحدودة بأعلى كفاءة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وغذائية واجتماعية أكبر. كما يجب أن نعيد النظر في مفهوم الأمن الغذائي ذاته؛ فالدولة الآمنة غذائيًا ليست بالضرورة الدولة التي تنتج كل احتياجاتها محليًا، وإنما الدولة التي تمتلك قاعدة إنتاج محلية قوية، ومخزونًا استراتيجيًا، وأسواقًا متنوعة، وقدرة على التصنيع والتخزين والنقل، وشبكة إمداد مرنة، إلى جانب منظومة بحث علمي وتكنولوجي قادرة على تطوير الإنتاج باستمرار.
وتحتاج المرحلة المقبلة إلى تغيير جوهري في طريقة تقييم الأداء الزراعي؛ فبدلًا من قياس نجاح الزراعة بكمية الإنتاج من الفدان فقط، يجب أن نسأل: كم وحدة غذائية أو كم جنيهًا من القيمة الاقتصادية نستطيع إنتاجها مقابل كل متر مكعب من المياه؟ وهذا التحول يمكن أن يقود إلى إنشاء مؤشر قومي لإنتاجية المياه الزراعية، يراعي استهلاك المحصول للمياه، وقيمته الاقتصادية، وقدرته على تحمل الظروف المناخية، ومدى احتياج السوق إليه؛ وبذلك تصبح الخريطة المحصولية أكثر مرونة وديناميكية.
كما لم تعد التكنولوجيا خيارًا، بل أصبحت ضرورة. فنحن بحاجة إلى الانتقال من الري القائم على المواعيد الثابتة إلى الري القائم على احتياجات النبات الفعلية، عبر أجهزة استشعار لرطوبة التربة ودرجة الحرارة، وتقنيات الاستشعار عن بُعد، ونظم الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل البيانات والتنبؤ باحتياجات المحاصيل. والأهم أن تصل هذه التقنيات إلى المزارع بطريقة بسيطة؛ فيصبح الهاتف المحمول أداة زراعية تقدم توصيات بموعد الري وكميته، وتحذر من الظروف المناخية أو احتمالات الإصابة بالأمراض والآفات. ويمكن لمصر أيضًا بناء نظام وطني للإنذار المبكر للأمن الغذائي يجمع بيانات الإنتاج والأسعار والمخزون والمناخ والأسواق العالمية والواردات والطاقة والأسمدة، ثم يستخدم الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالاختناقات المحتملة قبل حدوثها.
ولا تقل أهمية تقليل الفاقد والهدر عن زيادة الإنتاج؛ فكل طن من الغذاء ننقذه من الفقد يمثل إنتاجًا إضافيًا دون زراعة فدان جديد أو استهلاك قطرة مياه إضافية. ولذلك يجب أن يكون الاستثمار في مراكز التجميع والتعبئة والتبريد والتصنيع الزراعي جزءًا أصيلًا من منظومة الأمن الغذائي. كما يمكن تحويل المخلفات الزراعية إلى أعلاف أو أسمدة عضوية أو طاقة حيوية، بما يعزز الاقتصاد الدائري ويخلق دخلًا إضافيًا للمزارعين ويقلل الضغط على البيئة.
أما ملف المياه، فيحتاج إلى فلسفة جديدة تقوم على اعتباره موردًا اقتصاديًا يجب تعظيم العائد منه، عبر التوسع في معالجة المياه وإعادة استخدامها في الزراعة وفق الضوابط، والاستفادة من المخلفات العضوية في إنتاج الطاقة الحيوية، واستخدام الطاقة الشمسية في عمليات المعالجة والضخ. كما يجب أن يسير الحفاظ على الأراضي الزراعية القديمة في الوادي والدلتا بالتوازي مع التوسع في المناطق الجديدة، بشرط أن يقوم أي توسع على دراسات دقيقة للمياه والتربة والمناخ والجدوى الاقتصادية والأسواق.
ويظل البحث العلمي حجر الأساس في هذه المعادلة؛ فالتحدي ليس نقص العلماء أو الجامعات أو مراكز البحوث، وإنما تحويل المعرفة إلى حلول تصل إلى الأرض والمصنع والسوق. ولذلك يجب توجيه البحث نحو المشكلات الحقيقية: أصناف أقل استهلاكًا للمياه، ونظم ري أكثر كفاءة، وبدائل محلية للأعلاف، وأصناف تتحمل الحرارة والملوحة والجفاف. كما ينبغي إنشاء منصة وطنية تربط الجامعات ومراكز البحوث بالقطاع الخاص والمستثمرين، لتحويل الأفكار البحثية إلى منتجات وخدمات ومشروعات قادرة على دخول السوق.
وفي النهاية، فإن القيمة الحقيقية لمنتدى مصر 2026 يجب ألا تتوقف عند إصدار التوصيات، وإنما أن تتحول مخرجاته إلى خريطة طريق واضحة للأمن الغذائي والمائي، لها أهداف قابلة للقياس، ومؤشرات أداء محددة، ومشروعات ذات أولويات، وجداول زمنية، ومصادر تمويل، وآليات متابعة. فالمعركة الحقيقية ليست معركة زيادة الموارد فقط، وإنما معركة تعظيم قيمة الموارد؛ وليست القضية أن نبحث دائمًا عن مياه جديدة، وإنما أن نحقق أقصى عائد ممكن من المياه الموجودة. فأمن أجيال الغد يُبنى بقرارات اليوم، ومن كل قطرة مياه، وكل فدان، وكل فكرة علمية، يمكن أن نصنع قدرًا أكبر من الأمن والغذاء والتنمية.

تم نسخ الرابط