محمد راشد: إعادة هيكلة المعروض العقاري ضرورة لاستيعاب الطلب الحقيقي
قال الدكتور محمد راشد، خبير التطوير العقاري وعضو لجنة الإسكان والمرافق بحزب الجبهة الوطنية، إن أحد أبرز التحديات التي تواجه السوق العقاري المصري خلال المرحلة الحالية يتمثل في ضرورة تحقيق قدر أكبر من التوازن بين طبيعة المنتجات المطروحة واحتياجات الشرائح المختلفة من العملاء، مؤكدًا أن قوة السوق لا تعتمد فقط على حجم المعروض، وإنما على مدى توافق هذا المعروض مع حجم ونوعية الطلب الحقيقي.
وأوضح راشد أن السوق العقاري شهد خلال السنوات الماضية توسعًا كبيرًا في المشروعات ذات المنتجات مرتفعة القيمة، وهو أمر يعكس تطور الطلب الاستثماري وارتفاع تكلفة التطوير وتوجه عدد من الشركات إلى المنتجات التي تحقق عوائد أعلى، إلا أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مزيد من التنوع في المنتجات لتلبية احتياجات شرائح أوسع من المجتمع.
وأضاف أن وجود طلب قوي على المنتجات الفاخرة لا يمثل مشكلة في حد ذاته، خاصة أن هذا القطاع يجذب استثمارات كبيرة ويساهم في دعم النشاط الاقتصادي، لكن التحدي يكمن في تحقيق التوازن بين هذا النوع من المعروض وبين المنتجات التي تتناسب مع القدرات الشرائية للطبقة المتوسطة والشرائح الأكثر اتساعًا من المشترين.
وأشار راشد إلى أن ارتفاع أسعار الأراضي وتكاليف البناء والتمويل يمثل أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت جزءًا من السوق إلى التركيز على المنتجات مرتفعة السعر، موضحًا أن معالجة هذه الفجوة تحتاج إلى رؤية متكاملة تتعامل مع عناصر التكلفة منذ بداية دورة التطوير، وليس فقط مع السعر النهائي للوحدة.
وأكد راشد أن تنويع المعروض العقاري يمكن أن يمثل فرصة استثمارية مهمة للمطورين أنفسهم، لأن السوق الذي يعتمد على شريحة واحدة من العملاء يصبح أكثر تأثرًا بتغيرات القدرة الشرائية والظروف الاقتصادية، بينما وجود منتجات بمساحات وأسعار ونظم سداد متنوعة يخلق قاعدة طلب أوسع وأكثر استقرارًا.
ولفت إلى أهمية أن تتجه الشركات إلى دراسة احتياجات كل منطقة بصورة أكثر دقة قبل تحديد نوعية المنتج العقاري، بحيث يتم تصميم المشروعات وفقًا لطبيعة الكثافة السكانية ومستويات الدخل والاحتياجات السكنية والاستثمارية الفعلية، بدلًا من الاعتماد فقط على الاتجاهات السائدة في السوق.
وشدد راشد على أن المطلوب ليس تقليل المنتجات الفاخرة أو الحد من الاستثمار فيها، وإنما زيادة التنوع داخل السوق، بما يضمن استمرار قدرة القطاع على جذب الاستثمارات من ناحية، وفي الوقت نفسه توفير منتجات تتناسب مع الشرائح الأوسع من العملاء من ناحية أخرى.
وأوضح أن تطوير منظومة التمويل العقاري يمثل عنصرًا أساسيًا في معالجة هذه الفجوة، لأن المشكلة في بعض الحالات لا ترتبط بسعر الوحدة فقط، وإنما بقدرة العميل على تدبير السيولة اللازمة للشراء، مشيرًا إلى أن توفير أدوات تمويل أكثر كفاءة يمكن أن يرفع القدرة الشرائية الحقيقية ويخلق طلبًا مستدامًا على المنتجات المناسبة.
وأضاف راشد أن التوسع في نظم السداد طويلة الأجل ساعد بالفعل على توسيع قاعدة المشترين، إلا أن هذا الأمر يحتاج إلى أن يتزامن مع تطوير أدوات تمويلية أكثر مؤسسية، حتى لا تتحول مدد السداد الطويلة إلى وسيلة لرفع السعر الإجمالي للوحدة بصورة تؤدي في النهاية إلى زيادة الفجوة بين السعر والدخل.
وأكد أن السوق العقاري المصري يمتلك قاعدة طلب كبيرة، لكن تحويل هذا الطلب إلى مبيعات فعلية يتطلب أن يكون المنتج مناسبًا من حيث الموقع والمساحة والسعر ونظام السداد، موضحًا أن العميل أصبح أكثر انتقائية في قراراته الشرائية، ولم يعد ارتفاع قيمة العقار وحده كافيًا لإتمام عملية البيع.
وأكد راشد علي أن تحقيق التوازن في هيكل المعروض يصب في مصلحة جميع أطراف المنظومة، لأنه يمنح المطورين قاعدة أوسع من العملاء، ويوفر للمواطنين خيارات أكثر تناسبًا مع قدراتهم، ويساعد الدولة على تحقيق أهداف التنمية العمرانية بصورة أكثر كفاءة، خصوصًا مع التوسع المستمر في المدن الجديدة والمجتمعات العمرانية.
واختتم راشد تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة تنويع وليس انكماشًا في السوق العقاري، موضحًا أن القطاع لديه فرصة كبيرة للحفاظ على معدلات نمو قوية إذا نجح في إعادة مواءمة المنتج مع احتياجات المجتمع، مؤكدًا أن بناء سوق عقاري مستدام لا يعني فقط تشييد المزيد من الوحدات، وإنما تشييد الوحدات التي يحتاجها الناس بالفعل، وبالسعر ونظام السداد القادرين على تحويل الاحتياج إلى طلب حقيقي.