النفط يتوقف والغلاء يتفاقم.. الحصار الأمريكي يخنق شريان الاقتصاد الإيراني
تواجه إيران ضغوطا اقتصادية متزايدة بعد نحو سبعة أشهر من اندلاع الحرب، في وقت يقترب فيه معدل التضخم من 90%، بينما يضغط الحصار البحري الأمريكي على صادراتها النفطية وتتراجع، وفق تقديرات متباينة، قدرة طهران على إحكام قبضتها على مضيق هرمز.
وقال مسؤول في طهران لـ«بلومبرج» إن الوضع الاقتصادي في إيران «مؤلم للغاية»، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن البلاد تتكيف مع الظروف الراهنة.
وأضاف المسؤول أن إيران تستعد لحملة قصف أمريكية جديدة قد تكون أكبر من الحملات السابقة، مؤكداً أن بلاده تمتلك القدرة على الرد عليها.
وفي المقابل، أرسل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حاملة طائرات إضافية ونحو 10 آلاف عسكري إلى المنطقة، بينما لا يزال المسار الدبلوماسي يواجه حالة من الجمود.
وتكتسب الضغوط الأمريكية أهمية خاصة بالنسبة لطهران، إذ قد تدفعها إلى الاختيار بين تقديم تنازلات في محاولة لإحياء محادثات السلام، أو المضي في تصعيد صراع يلحق بالفعل أضراراً بالغة باقتصادها.
وبحسب ما أوردته «بلومبرغ»، يرى مسؤولون إيرانيون أن فرص التوصل إلى اتفاق سلام قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في 3 نوفمبر محدودة، بينما يعتقدون أن احتمال التصعيد سيرتفع بشكل كبير بعد الانتخابات.
وفي ظل هذا الوضع، أعلن الحرس الثوري الإيراني، الجمعة، استعداده لتوجيه «رد فوري ومؤلم ومثير للندم» على أي عدوان من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل.
ورقة هرمز تتراجع
كانت قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز فعلياً واحدة من أبرز أوراق الضغط التي امتلكتها طوال الحرب، التي بدأت في أواخر فبراير بحملة قصف أمريكية وإسرائيلية، إذ يمثل المضيق ممراً مائياً حيوياً لنقل الطاقة والسلع الأخرى.
وأدى تعطل حركة الملاحة عبر الممر خلال الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي، كما ساهم في زيادة التضخم على مستوى العالم، وهو ما فرض بدوره تكلفة سياسية داخلية على إدارة ترمب.
لكن قدرة إيران على إحكام قبضتها على المضيق، وكذلك قدرتها على تقييد صادرات النفط القادمة من دول الخليج العربية، تبدو آخذة في التراجع.
ووفقاً لبيانات تتبع الناقلات التي جمعتها «بلومبرج»، ارتفعت صادرات النفط من منطقة الخليج عبر مضيق هرمز خلال سبتمبر الماضي.
ويقدر بنك «جي بي مورجان» أن شحنات النفط الخام من الشرق الأوسط تعافت إلى نحو 17.5 مليون برميل يومياً، بما يعادل 98% من مستويات ما قبل الحرب.
ومع ذلك، لا يزال هناك خلاف بشأن مدى احتفاظ إيران باليد العليا في هذا الممر البحري الحيوي.
ونقلت «بلومبرغ» عن مسؤول دفاعي بارز في المنطقة قوله إن إيران لا تزال تحتفظ بدرجة كبيرة من السيطرة على مضيق هرمز، في حين قال مسؤول آخر في قطاع الطاقة إن قبضة طهران على الممر آخذة في التراجع، رغم استمرار استهداف السفن بصورة متكررة.
وفي أحدث الوقائع، تعرضت ناقلة نفط خام فجر السبت لمقذوف في مضيق هرمز، على بعد نحو أربعة أميال من ساحل سلطنة عُمان، وفقاً لما أوردته هيئة التجارة البحرية البريطانية.
اقتصاد تحت ضغط شديد
ويتزامن تراجع نفوذ إيران في مضيق هرمز مع أوضاع اقتصادية صعبة داخل البلاد، إذ يؤدي ارتفاع التضخم إلى تآكل القدرة الشرائية للإيرانيين، بينما فقدت العملة المحلية نحو 25% من قيمتها أمام الدولار خلال الشهرين الماضيين، ما أدى إلى ارتفاع تكلفة السلع المستوردة.
وفي سبتمبر، لم تشحن إيران أي نفط خام على متن ناقلات، وفق تقديرات أولية لـ«بلومبرغ»، في واقعة قالت الوكالة إنها الأولى من نوعها منذ بداية الحرب، بما يسلط الضوء على تزايد فاعلية الحصار الأمريكي المفروض على موانئ البلاد.
ولا تزال طهران تزود بعض المصافي الصينية بالنفط من مخزونات سبق شحنها وتوجد حالياً في آسيا، لكن تلك المخزونات قد تنفد قريباً، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في أحد أهم مصادر إيرادات الحكومة الإيرانية.
وفي محاولة للتكيف مع الضغوط، أعادت طهران توجيه جزء أكبر من تجارتها عبر الحدود البرية وبحر قزوين، غير أن هذه المسارات لا توفر بديلاً قادرا على تعويض الضغوط المفروضة على التجارة البحرية بشكل كامل.
وأفادت وسائل إعلام رسمية بزيادة حركة الشاحنات والتأخير عند المعابر الحدودية مع تركيا وباكستان خلال سبتمبر، بينما يوفر بحر قزوين لإيران منفذاً بحرياً إلى حليفتها روسيا.
وفي الوقت نفسه، تعمل واشنطن على توسيع نطاق ضغوطها الاقتصادية على طهران. ففي الأول من أكتوبر، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أكبر شركات صناعة السيارات الإيرانية وعدد من شركات السكك الحديدية.
وبحسب «بلومبرغ»، بدأت الإجراءات السابقة المفروضة على قطاع الطيران الإيراني تظهر آثارها أيضاً، إذ توقفت الرحلات الجوية الإيرانية إلى الإمارات في أواخر سبتمبر، كما تعطلت الرحلات إلى العراق وتركيا وعُمان.
ويمثل هذا العبء الاقتصادي تحدياً خاصاً للحكومة الإيرانية، لأن الحرب اندلعت بعد أسابيع فقط من احتجاجات واسعة شهدتها أنحاء البلاد بسبب ارتفاع الأسعار وانهيار قيمة العملة.
وتحاول الحكومة في الوقت الحالي تخفيف الضغوط على ميزانيتها من دون التسبب في موجة جديدة من الاضطرابات الداخلية.
وفي سبتمبر، خفض المسؤولون دعم البنزين، وهو إجراء سبق أن أدى إلى اندلاع احتجاجات دامية في عام 2019. وفي هذا الأسبوع، ثبتت بلدية طهران أسعار 12 سلعة غذائية أساسية لمدة ستة أشهر من خلال شبكة الأسواق التابعة لها.
تصعيد عسكري محتمل
وفي موازاة الضغوط الاقتصادية، أظهر ترمب مجدداً استعداده للمضي في سياسة التصعيد العسكري مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
وقال ترمب إن توجيه ضربات أشد إلى إيران بعد اقتراع 3 نوفمبر أمر «ممكن»، في وقت أرسل فيه البنتاجون حاملة الطائرات «ثيودور روزفلت» ونحو 10 آلاف عسكري إضافي إلى الشرق الأوسط.
ومع وصول «ثيودور روزفلت»، سيرتفع عدد حاملات الطائرات الأمريكية الموجودة في المنطقة إلى ثلاث، وهو مستوى من الحشد العسكري قالت «بلومبرغ» إنه لم تشهده المنطقة منذ المرحلة الأولى من غزو العراق عام 2003.
لكن لم يتضح بعد ما إذا كانت إحدى حاملتي الطائرات الأخريين ستغادر المنطقة بمجرد وصول «ثيودور روزفلت» خلال الأسابيع المقبلة.
وسبق لترمب أن هدد مراراً بتنفيذ هجمات ضد إيران، لكنه لم ينفذها في نهاية المطاف.
ففي يوليو، تعهد بضرب جسور ومحطات كهرباء رداً على الهجمات التي استهدفت حركة الملاحة، قبل أن يتراجع عن تنفيذ تلك التهديدات في اللحظة الأخيرة.
ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وفي ظل ما أوردته «بلومبرغ» بشأن عدم رضا الناخبين عن طريقة إدارته للحرب، قد يواجه ترمب ضغوطاً تدفعه إلى محاولة كسر حالة الجمود القائمة.
وفي المقابل، قد ترى إيران أنها قادرة على تحمل الضغوط لفترة أطول، إلى أن تتراجع الولايات المتحدة عن انخراطها العسكري في المنطقة.
وقال جوناثان بانيكوف، نائب مسؤول الاستخبارات الوطنية السابق لشؤون الشرق الأدنى في مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي، إن هناك «تساؤلات بشأن مدى استعداد الولايات المتحدة لمواصلة هذه الاستراتيجية وهذا الجهد على المدى الطويل»، في ضوء الضغوط التي يفرضها استمرار هذا الانخراط على القوات البحرية الأمريكية.
وأضاف بانيكوف، في تصريحات لـ«بلومبرغ»، أن «المتشددين في إيران يراهنون على قدرتهم على تحمل مزيد من الضغوط الداخلية وانتظار انتهاء الانخراط الأمريكي في المنطقة».



