عاجل

في الأول من أكتوبر 2026 فعلت إثيوبيا في أربع وعشرين ساعة ما لم تجرؤ عليه في سنوات، أغلقت سفارتها في أسمرة وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين وأعلنت دبلوماسياً مصرياً شخصاً غير مرغوب فيه، ثلاثة قرارات في يوم واحد ضد جارَين في آنٍ واحد، ردت إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية كلياً وردت مصر بالمثل حين أعلنت مستشار السفارة الإثيوبية في القاهرة شخصاً غير مرغوب فيه، المشهد واضح وصريح إثيوبيا في عداء شامل مع محيطها.

لكن هذا اليوم لم يأتِ من فراغ، منذ بدأ سد النهضة عام 2011 وأديس أبابا تبني مشروع هيمنة إقليمية متكاملاً، النيل من الجنوب أداةً للضغط على مصر والسودان وصوماليلاند من الشرق بوابةً للبحر الأحمر عبر اتفاق يناير 2024 الذي أعطاها عشرين كيلومتراً ساحلياً مقابل الاعتراف بإقليم منشق عن الصومال لا تعترف به دولة واحدة في العالم، والبحر الأحمر الذي تحاول الوصول إليه تجلس على ضفافه مصر الحارسة لقناة السويس.

إريتريا وصفت ما تفعله إثيوبيا بأنها تسعى لغزو موانئ ومناطق ساحلية إريترية للحصول على منفذ بحري، وهذا الاتهام الصريح يكشف أن الأزمة مع إريتريا ليست حادثة عرضية بل امتداد لنفس المشروع الذي يصطدم به كل جار لإثيوبيا من كل جهة.

والمفارقة الساطعة أن إثيوبيا التي تحرص في كل محفل دولي على الحديث عن الانتفاع المنصف بمياه النيل ومبادئ القانون الدولي تتعامل مع جيرانها بمنطق الإملاء والتهديد، دولة تريد أن يُطبَّق عليها القانون الدولي في ملف المياه لكنها ترفضه في ملف السيادة والعلاقات الدبلوماسية، وهذا تناقض لا تستطيع أديس أبابا الفرار منه أمام الرأي العام الدولي.

الأزمة الداخلية الإثيوبية تُكمل الصورة، معارك تيغراي عادت وصراعات أمهرة وأوروميا وأفار لم تنتهِ والجيش الإثيوبي يتقاتل في أكثر من جبهة داخلية بينما حكومته تُصعّد على كل جيرانها في الخارج، وهذا نمط تاريخي معروف حين تضيق بك الداخلية تُشعل الأزمات في الخارج لتصرف الأنظار.

مصر لم تكن تريد هذا التصعيد، ردّت على اتهامات قائد الجيش الإثيوبي قبل يومين بثلاث كلمات هي والعدم سواء لكن حين طُردَ دبلوماسيها ردّت بالمثل لأن الكرامة الدبلوماسية خط لا تتفاوض عليه أي دولة محترمة.

الخلاصة بسيطة، إثيوبيا في أزمة وجودية تحاول تصديرها ومصر في موقفها القانوني والدبلوماسي راسخة، والتاريخ لم يرحم يوماً دولةً تُعادي جيرانها كلهم في وقت واحد.

تم نسخ الرابط