عاجل

النتائج المترتبة على صعود جورج بوش الابن وفريق المحافظين الجدد للسلطة.. الحلقة العشرون


ماذا يحدث عندما تنتقل نظرية سياسية من صفحات الكتب… إلى مكاتب البيت الأبيض؟

وماذا يحدث عندما تتولى مجموعة فكرية تؤمن بالقوة العسكرية، وتغيير الأنظمة، والقيادة الأمريكية للعالم… مفاصل صناعة القرار في أكبر قوة عسكرية على وجه الأرض؟

في يناير عام 2001، وصل جورج دبليو بوش إلى البيت الأبيض.

لكن صعود بوش لم يكن مجرد انتقال للسلطة من إدارة إلى أخرى… فقد صعد معه إلى مواقع القرار عدد كبير من الشخصيات المرتبطة بالفكر المحافظ الجديد.
ديك تشيني نائبًا للرئيس… دونالد رامسفيلد وزيرًا للدفاع… بول وولفويتز في وزارة الدفاع… ريتشارد أرميتاج في وزارة الخارجية… إليوت أبرامز في مجلس الأمن القومي… جون بولتون في ملفات الأمن الدولي… وزلماي خليل زاد في ملفات أفغانستان والعراق… وغيرهم من الشخصيات التي أصبحت لاحقًا جزءًا من واحدة من أكثر مراحل السياسة الخارجية الأمريكية إثارة للجدل.

ثم جاء الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

لحظة غيّرت الولايات المتحدة… وغيّرت العالم.

فخلال سنوات قليلة… احتُلت أفغانستان.... وغُزيت العراق.... وطُرحت عقيدة الحرب الوقائية... وأصبح تغيير الأنظمة السياسية جزءًا من الخطاب الاستراتيجي الأمريكي.

لكن السؤال الأهم: هل صنعت أحداث سبتمبر هذه السياسة؟ .. أم أنها منحت المحافظين الجدد الفرصة التاريخية لتطبيق سياسة كانوا يؤمنون بها أصلًا؟
هذا ما سنوضحه خلال هذا المقال.

أولا: المحافظون الجدد يدخلون البيت الأبيض

مع وصول جورج بوش الابن إلى السلطة، لم يكن الأمر مجرد تغيير في اسم الرئيس.

بل شهدت الإدارة الجديدة حضورًا قويًا لشخصيات تنتمي إلى التيار المحافظ الجديد أو تتقاطع معه فكريًا وسياسيًا.

كان هناك اعتقاد بأن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تكتفي بالحفاظ على النظام الدولي القائم… بل عليها أن تعمل على إعادة تشكيله.

القوة العسكرية لم تعد مجرد وسيلة للدفاع… بل أصبحت وسيلة لإعادة ترتيب البيئة الدولية.

وكانت الفكرة المركزية: إذا كانت الولايات المتحدة هي القوة الأعظم في العالم… فلماذا لا تستخدم تفوقها لمنع ظهور منافسين؟ ولماذا لا تقوم بإعادة تشكيل الأنظمة التي تعتبرها تهديدًا لمصالحها؟ ولماذا لا تنشر الديمقراطية بالقوة إذا لزم الأمر؟

هذه الأفكار ستصبح أكثر وضوحًا بعد سبتمبر 2001... لكن جذورها كانت أقدم بكثير.

ثانياً: العالم بين «الخير والشر»

كان من أبرز سمات الخطاب الذي تبناه المحافظون الجدد تقسيم العالم بصورة حادة: هنا… الخير... وهناك… الشر.

وبعد هجمات سبتمبر، أصبح هذا التصنيف أكثر وضوحًا في خطاب الرئيس بوش.."من ليس معنا… فهو مع الشر".

لم تعد المسألة في نظر الإدارة الأمريكية مجرد خلاف سياسي.

ل أصبحت مواجهة بين معسكرين... الولايات المتحدة وحلفاؤها من جهة… والإرهاب والدول التي يُنظر إليها باعتبارها داعمة له من جهة أخرى... وهنا حدث تحول جوهري.

فالدولة التي تُصنف باعتبارها خطرًا… يمكن أن تتحول من دولة خصم سياسي… إلى هدف عسكري محتمل.

لكن هذه الرؤية لم تتوقف عند تصنيف العالم… بل امتدت إلى تصور جديد لاستخدام القوة.

ومن هنا ظهرت عقيدة الحرب الوقائية.

ثالثاً: عقيدة الحرب الوقائية

في السابق، كان المفهوم التقليدي للحرب يقوم على الرد على اعتداء وقع بالفعل.

لكن إدارة بوش دفعت باتجاه مفهوم مختلف: إذا كانت الولايات المتحدة تعتقد أن خطرًا ما قد يظهر في المستقبل… فيمكنها أن تضرب أولًا... أي: لا تنتظر الخطر حتى يصبح واقعًا… بل اضربه قبل أن يصل إليك.

وكانت هذه الفكرة واحدة من أهم ملامح استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الصادرة عام 2002.

وقد ارتبطت بثلاثة اتجاهات أساسية: أولًا: التفوق الأمريكي، ثانيًا: الضربة الوقائية، ثالثًا: تغيير الأنظمة التي تعتبرها واشنطن مصدر تهديد.
وهكذا أصبحت القوة العسكرية أداة لإعادة تشكيل النظام الدولي… وليس فقط لحماية الولايات المتحدة.

رابعاً: 11 سبتمبر… اللحظة التي غيرت قواعد اللعبة

في صباح 11 سبتمبر 2001… دخل العالم مرحلة جديدة.... هجمات استهدفت الولايات المتحدة في قلب أراضيها... الخوف اجتاح المجتمع الأمريكي... والصدمة كانت هائلة.

وهنا وجدت إدارة بوش نفسها أمام لحظة تاريخية استثنائية... أعلنت الحرب على الإرهاب... ثم تحركت القوات الأمريكية نحو أفغانستان.

لكن المحافظين الجدد لم ينظروا إلى الحرب باعتبارها مجرد عملية للانتقام من تنظيم القاعدة.

بل كانت هناك رؤية أوسع: إعادة تشكيل البيئة السياسية في الشرق الأوسط... إسقاط الأنظمة المعادية. .. نشر الديمقراطية.... خلق نظام إقليمي جديد أكثر توافقًا مع المصالح الأمريكية.

وهنا يجب أن نفرق بين أمرين: هناك الخلاف حول أسباب أحداث سبتمبر وتفسيراتها، وهناك حقيقة تاريخية ثابتة، وهي أن إدارة بوش استخدمت الهجمات لتبرير تحول كبير في السياسة الخارجية والأمنية الأمريكية.

والنتيجة كانت واضحة: أفغانستان أولًا… ثم العراق.

خامساً: العراق 2003… الاختبار الأكبر

في عام 2003، انتقلت استراتيجية الحرب الوقائية إلى أخطر اختباراتها: العراق.

كانت الإدارة الأمريكية تتحدث عن أسلحة دمار شامل… وعن خطر نظام صدام حسين… وعن ضرورة التحرك قبل أن يصبح الخطر أكبر.

لكن أسلحة الدمار الشامل التي كانت محورًا أساسيًا في مبررات الحرب… لم يُعثر عليها.

ومع ذلك… كان الغزو قد وقع... وسقط نظام صدام حسين... وسقط الجيش العراقي.
ودخل العراق مرحلة طويلة من الفوضى والعنف وإعادة بناء الدولة.

وهنا ظهر السؤال الذي سيظل مفتوحًا في التاريخ: هل كانت الحرب تهدف فعلًا إلى منع خطر أمني؟

أم أنها كانت جزءًا من مشروع أكبر لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟

بالنسبة للمحافظين الجدد… كان العراق نموذجًا يمكن من خلاله تغيير المنطقة...لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا.

فإسقاط النظام كان سريعًا نسبيًا… أما بناء نظام مستقر بعده… فكان أكثر صعوبة بكثير.

وهنا نصل إلى واحدة من أخطر نتائج صعود المحافظين الجدد: تحول تغيير الأنظمة من فكرة نظرية… إلى ممارسة سياسية وعسكرية.

سادساً: من تغيير الأنظمة إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط

لم تعد واشنطن تنظر إلى المنطقة باعتبارها مجموعة دول منفصلة... بل باعتبارها مساحة استراتيجية واحدة.

النفط… الممرات البحرية… أمن إسرائيل… مكافحة الإرهاب… القواعد العسكرية… والنفوذ السياسي.

كل هذه العناصر أصبحت مترابطة.

وكان التصور أن تغيير نظام سياسي واحد… قد يؤدي إلى تغيير البيئة السياسية المحيطة به.

لكن المشكلة أن الأنظمة السياسية ليست قطع شطرنج.

عندما تسقط دولة… لا تسقط معها فقط حكومة... قد يسقط الجيش.. وقد تنهار المؤسسات... وقد تتفكك البنية الاجتماعية... وقد تظهر جماعات مسلحة... وقد تبدأ صراعات طائفية وإثنية.

وهذا ما جعل تجربة العراق درسًا بالغ الأهمية في حدود القوة العسكرية.

سابعاً: الكويت 1990 والخليج… من الحرب إلى القواعد

لكن الطريق إلى الهيمنة الأمريكية على الخليج لم يبدأ عام 2001.

فقد سبقته حرب الخليج الثانية بعد غزو العراق للكويت عام 1990.

دخلت الولايات المتحدة الحرب تحت قيادة تحالف دولي واسع لإخراج القوات العراقية من الكويت.

وبعد الحرب… تغيرت الخريطة العسكرية في الخليج... توسع الوجود العسكري الأمريكي... وأصبحت الولايات المتحدة لاعبًا أمنيًا مركزيًا في المنطقة.

دول الخليج أصبحت تعتمد بصورة أكبر على المظلة الأمنية الأمريكية... والقواعد العسكرية الأمريكية أصبحت عنصرًا أساسيًا في المعادلة الإقليمية.

وهنا تحققت لواشنطن مكاسب استراتيجية كبيرة: الاقتراب من مصادر الطاقة... السيطرة على الممرات الحيوية... ومراقبة التحولات السياسية والعسكرية في منطقة تعد من أهم مناطق العالم استراتيجيًا.

ثامناً: النفط… الأمن أم الجغرافيا السياسية؟

الخليج ليس مجرد منطقة جغرافية... إنه أحد أهم مراكز الطاقة في العالم... ومن يملك القدرة على تأمين طرق الطاقة… يمتلك ورقة استراتيجية ضخمة.
ولهذا أصبح الوجود العسكري الأمريكي في الخليج جزءًا من منظومة أوسع للأمن والطاقة.

لكن القضية لا تتعلق بالنفط وحده.

إنها تتعلق أيضًا بمن يستطيع التحكم في: الممرات البحرية… قواعد الانتشار العسكري… التحالفات… وسلاسل إمدادات الطاقة العالمية.

ومن هنا نفهم لماذا ظل الشرق الأوسط حاضرًا بقوة في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية.

تاسعاً: من القوة العسكرية إلى تفكيك النظام الإقليمي

مع سقوط العراق عام 2003، ظهرت منطقة عربية مختلفة.

سقط أحد أكبر الجيوش العربية... واختل ميزان القوى الإقليمي... وتصاعدت الصراعات الطائفية والسياسية... وظهرت جماعات مسلحة جديدة... وأصبح العراق ساحة للصراع بين قوى إقليمية ودولية متعددة.

ثم جاءت سنوات لاحقة شهدت اضطرابات سياسية واسعة في عدد من الدول العربية.

وهنا ظهرت أطروحات متعددة حول "الشرق الأوسط الجديد".

لكن يجب أن نكون دقيقين: ليس من المنهجي اعتبار كل حدث لاحق نتيجة مباشرة لخطة أمريكية واحدة.

فالمنطقة كانت تعاني أصلًا من مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة.

لكن المؤكد أن التدخلات العسكرية والسياسات الخارجية الكبرى ساهمت في إعادة تشكيل موازين القوى داخل المنطقة.

عاشراً: الحصيلة… ماذا ترك المحافظون الجدد؟

إذا أردنا أن نلخص نتائج صعود المحافظين الجدد في إدارة بوش…

يمكن أن نضع أمامنا مجموعة من النتائج: أولًا: ترسيخ مفهوم الحرب الوقائية في السياسة الخارجية الأمريكية.. ثانيًا: توسيع استخدام القوة العسكرية خارج الحدود... ثالثًا: ربط مكافحة الإرهاب بتغيير الأنظمة السياسية.. رابعًا: تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط... خامسًا: إسقاط نظامي طالبان وصدام حسين، مع نتائج مختلفة تمامًا على الأرض... سادسًا: إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط.. سابعًا: زيادة الجدل الدولي حول شرعية استخدام القوة الأمريكية.. ثامنًا: إضعاف الثقة الدولية في الخطاب الأمريكي بعد الجدل حول مبررات غزو العراق.

وهكذا… لم يكن صعود المحافظين الجدد مجرد تحول داخل الحزب الجمهوري.. بل كان تحولًا في طريقة رؤية الولايات المتحدة للعالم.

«حين تتحول القوة إلى عقيدة»

في نهاية هذه الرحلة… قد نختلف حول المحافظين الجدد... قد نختلف حول دوافعهم.

وقد نختلف حول ما إذا كانت الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة ضرورية أو كارثية.

لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها: عندما امتلكت الولايات المتحدة القوة العسكرية الأكبر في العالم… ظهر تيار سياسي قال: لماذا ننتظر حتى يأتي الخطر؟ 
اضرب أولًا. .. غيّر النظام... وأعد تشكيل البيئة السياسية من حولك.

وهكذا… تحولت القوة من وسيلة دفاع… إلى عقيدة سياسية... وتحول الشرق الأوسط… من منطقة ذات أهمية استراتيجية… إلى واحدة من أهم ساحات اختبار القوة الأمريكية.

لكن التاريخ طرح سؤالًا آخر: هل تستطيع القوة العسكرية أن تصنع نظامًا سياسيًا مستقرًا؟

العراق أعطى إجابة قاسية: إسقاط النظام قد يستغرق أسابيع… لكن إعادة بناء الدولة قد تستغرق عقودًا.

وهنا تكمن المفارقة: قد تستطيع القوة أن تهدم نظامًا… لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني وطنًا.

قد تستطيع الجيوش إسقاط حكومة… لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها أن تصنع شرعية.

وقد تستطيع الدولة العظمى أن تفرض وجودها… لكنها لا تستطيع دائمًا أن تفرض المستقبل الذي تريده.

ومن هنا يبقى السؤال: هل كان صعود المحافظين الجدد بداية عصر الهيمنة الأمريكية المطلقة؟

أم أنه كان بداية اكتشاف العالم لحدود هذه الهيمنة؟

ربما…الإجابة لا توجد في البيت الأبيض وحده.... بل في بغداد… وكابول… وفي عواصم الشرق الأوسط…

وفي النظام الدولي الذي تشكل بعد عام 2001.

كانت هذه حلقتنا عن: النتائج المترتبة على صعود جورج بوش الابن وفريق المحافظين الجدد إلى السلطة.

وفي الحلقة القادمة… سننتقل من الأفكار إلى النتائج على الأرض: كيف غيّرت حروب أفغانستان والعراق شكل النظام الدولي؟ وهل أدت سياسة القوة الأمريكية إلى تعزيز الهيمنة… أم إلى بداية تراجعها؟

تم نسخ الرابط