عاجل

تظل حرب أكتوبر واحدة من اللحظات التي لا تقاس قيمتها بعدد المعارك أو حجم الانتصارات العسكرية وحدها، وإنما بما تركته في وجدان المصريين من معنى أكبر: أن الإرادة حين تجتمع حول هدف واضح تستطيع أن تغير موازين الواقع، وأن الدول لا تبني انتصاراتها بالموارد وحدها، وإنما بالإنسان الذي يعرف قيمة وطنه ويؤمن بقدرته على تجاوز أصعب الظروف، ولهذا فإن استدعاء روح أكتوبر كل عام لا ينبغي أن يتوقف عند الاحتفال بذكرى عسكرية عظيمة، بل يمتد إلى سؤال أكثر ارتباطا بالحاضر: كيف ننقل هذه الروح إلى جيل لم يعش الحرب، ولم ير جنودها وهم يعبرون القناة، ولم يعرف معنى أن يسترد الوطن ثقته بنفسه بعد سنوات ثقيلة؟

الجيل الذي صنع أكتوبر كان يعرف معنى المسؤولية بصورة مباشرة، كان الجندي يقف على الجبهة وهو يدرك أن وراءه وطنا ينتظر منه الكثير، وكان العامل والمهندس والطبيب والمعلم وكل فرد في المجتمع يرى نفسه جزءا من معركة أكبر من موقعه الشخصي، ولم تكن الوطنية وقتها مجرد كلمات تقال في المناسبات، وإنما شعورا يتحول إلى عمل، وانضباط، وتحمل للمسؤولية، وإصرار على تحقيق الهدف مهما كانت صعوبة الطريق، تلك هي الروح التي يجب أن تصل إلى الأجيال الجديدة، لا باعتبارها صورة من الماضي، وإنما باعتبارها قيمة قابلة للحياة في كل زمن.

الفرق بين جيل أكتوبر والجيل الحالي أن لكل منهما معركته، معركة الأمس كانت استعادة الأرض والكرامة، أما معارك اليوم فتتصل ببناء الإنسان، وتحسين جودة الحياة، وحماية الوعي، وتعزيز قدرة الدولة على المنافسة، والاستفادة من العلم والتكنولوجيا، وخلق اقتصاد أكثر إنتاجا، والحفاظ على تماسك المجتمع أمام عالم سريع التحول، وإذا كان جيل أكتوبر قد حمل السلاح دفاعا عن الوطن، فإن أجيال اليوم تحمل مسؤولية أخرى لا تقل أهمية؛ مسؤولية أن تتعلم وتعمل وتبتكر وتحمي وعيها، وأن تدرك أن بناء الدولة في زمن السلم يحتاج إلى قدر كبير من الجدية والإرادة التي احتاجتها معركة الحرب.

ومن الخطأ أن نقدم أكتوبر للأجيال الجديدة باعتباره حكاية محفوظة من الكتب المدرسية فقط، التاريخ يصبح حيا عندما يفهم الإنسان الظروف التي سبقته، ويعرف كيف تحولت الهزيمة إلى إرادة، وكيف استطاع الجيش المصري أن يعيد بناء قدراته، وكيف تضافرت مؤسسات الدولة والمجتمع حول هدف استعادة الأرض، المعنى الحقيقي هنا أن الإنجازات الكبيرة لا تبدأ لحظة إعلان الانتصار، وإنما تبدأ قبلها بسنوات من الإعداد والعمل والصبر، وهذه الرسالة شديدة الأهمية لشباب اليوم، الذي يعيش في عصر السرعة ويرى نتائج الأشياء أكثر مما يرى رحلة الوصول إليها.

نقل روح أكتوبر يحتاج إلى تغيير طريقة الحديث عنها، نحتاج أن ننتقل من الاحتفاء بالنتيجة إلى فهم الطريق الذي قاد إليها، ومن سرد البطولات إلى تحليل القيم التي صنعتها، الانضباط، والإتقان، والعمل الجماعي، والثقة في القدرة على الإنجاز، واحترام العلم، وتحمل المسؤولية، وعدم الاستسلام للظروف؛ كلها قيم يمكن أن تتحول إلى جزء من حياة الطالب في مدرسته، والشاب في جامعته، والموظف في موقع عمله، والباحث في مختبره، ورائد الأعمال في مشروعه، وعندما يصبح التفوق الدراسي والعمل الجاد والابتكار والإنتاج صورا معاصرة من خدمة الوطن، نكون قد نجحنا في نقل روح أكتوبر بالفعل.

الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام يتحملون مسؤولية أساسية في هذه المهمة، الجيل الجديد لا يحتاج إلى خطاب عاطفي طويل بقدر ما يحتاج إلى قصة حقيقية يفهم منها كيف صنع المصريون المستحيل في لحظة تاريخية فارقة، يحتاج إلى أن يرى أبطال أكتوبر باعتبارهم بشرا امتلكوا أحلاما ومخاوف ومسؤوليات، لكنهم وضعوا مصلحة الوطن فوق الحسابات الشخصية، كما يحتاج إلى أن يرى نماذج معاصرة للنجاح المصري في العلم والطب والهندسة والرياضة وريادة الأعمال والعمل العام، حتى يدرك أن خدمة الوطن لا ترتبط بميدان واحد، وأن لكل جيل ساحته التي يستطيع أن يترك فيها أثرا.

الأجيال الجديدة تتلقى معلوماتها من منصات متعددة، وتحتاج إلى محتوى قادر على الوصول إليها بلغتها وأدواتها، من دون التفريط في الحقيقة التاريخية، يمكن للأفلام الوثائقية، والقصص الإنسانية، والشهادات الحية، والمحتوى الرقمي، والخرائط التفاعلية أن تجعل أحداث أكتوبر أقرب إلى وجدان الشباب، وأن تحول الذكرى من مناسبة سنوية إلى تجربة معرفية تترك أثرا مستمرا.

والأهم أن نربط روح أكتوبر بمفهوم الدولة الحديثة، الوطن الذي استطاع أن يخوض معركة التحرير يستطيع أن يخوض معارك البناء، لكن أدوات المعركة تغيرت، واليوم، ال…

تم نسخ الرابط