عاجل

محمود بسيوني يكتب : "الموقف السياسى.. لماذا تزعجهم وزارة الداخلية؟"

محمود بسيوني
محمود بسيوني

قرأت خلال الأيام الماضية عددًا من التغريدات والمنشورات، بعضها لأشخاص عاديين، وبعضها لكتاب وصحفيين، مع تصاعد الجدل حول واقعة صانعة المحتوى التي ألقي القبض عليها عقب نشر مقاطع تتعلق بزوجها المحتجز على ذمة قضية مخدرات، قبل أن تقرر النيابة العامة إخلاء سبيلها بكفالة مالية قدرها عشرة آلاف جنيه على ذمة التحقيقات وواقعة اخرى تخص احد الصفحات الاخوانية .


لن أخوض، قطعًا، في تفاصيل قضايا ما زالت أمام جهات التحقيق، ولا أملك أن أستبق ما ستنتهي إليه النيابة أو القضاء لكن القضية التي تستحق التوقف عندها أكبر من هذه الواقعة نفسها، إنها قضية «محاكم السوشيال ميديا».


كيف أصبح من السهل أن تتحول وقائع لم تستكمل مراحلها القانونية إلى محاكمة مكتملة الأركان على شاشات الهواتف؟ وكيف أصبح الحكم يصدر في فضاء التواصل الاجتماعي قبل أن تنتهي النيابة من تحقيقاتها، وقبل أن يقول القضاء كلمته الأخيرة؟


هنا لا أتحدث عن حق أي مواطن في التعبير، ولا عن حق أي شخص في أن يطرح روايته أو يطلب التحقيق في شكوى يتقدم بها؛ فهذا جزء أصيل من دولة القانون ، لكنني أتحدث عن شيء آخر تمامًا، عن اللحظة التي يتحول فيها التعاطف إلى حكم، والرواية إلى حقيقة، والادعاء إلى إدانة، والمنشور إلى ما يشبه حكم المحكمة.


ولفت نظري، في هذه القضايا ، أن بعض الأصوات من كتاب وباحثين و يفترض فيهم التحلى بالمعرفة والتريث عند تناول القضايا وتوجيه الاتهامات ، دخلت مبكرًا في سجال عام حول الوقائع ورسمت صورة مغلوطة فى سياق انتقاد اوسع لمؤسسات الدولة ، قبل أن تكتمل أمام الرأي العام صورتها القانونية، وهم يعلمون بالضرورة أن أبسط قواعد دولة القانون تقول إن التحقيق مكانه النيابة، والحكم مكانه المحكمة.


شرارة اشتعال كل ذلك اللغط كانت الصفحات الاخوانية التى تديرها مجموعة "ميدان" فى الخارج وهو امر لا تخطئه العين، حيث لم تكتفى بنشر الواقعة واعادت نشر وقائع قديمة وفبركة صور وفيديوهات باستخدام الذكاء الاصطناعى وبكثافة بهدف التشكيك فى اداء الوزارة واجراءتها حتى تصنع راى عام غاضب وتفتح ثغرة تنفذ منها الفوضى من جديد .


وهنا مكمن الخطر، لأن الامن و العدالة لا يستقيمان تحت ضغط، أيًا كان مصدره أو شكله ، هذه هي النقطة التي أريد أن أتوقف عندها؛ ليس دفاعًا عن الوزارة، وليس اتهامًا لاحد ، وإنما دفاعًا عن فكرة أكبر من الطرفين وهى المحافظة على دولة القانون وعدم المساس بحالة الاستقرار والامن .


لكن السؤال، هل كل من كتب وانتقد يبحث عن العدالة لمتهم لم تثبت ادانته ام لانه منزعج من وزارة الداخلية ، ووجد الفرصة فى موجه هجوم منسق تقوده صفحات معروفة الهوى والهوية قادمة من خارج مصر ويقف خلفها تنظيم ارهابى يبحث عن مظلومية تحرك الناس ضد مؤسسات دولتهم ، تحرك يخرب حالة الامن والامان والاستقرار فى محيط مضطرب محطم بالصراعات القائمة ، والانزعاج، في تقديري، لا يتعلق فقط بالواقعة، وإنما بما هو أبعد منها؛ فهناك من يتمنى أن تعود مصر إلى لحظة اضطراب أمني شبيهة بما جرى في يناير 2011، ومن ثم يمكن استثمارها في إرباك الدولة ومؤسساتها.


وفي هذا السياق، تبدو وزارة الداخلية هدفًا رئيسا فى معركة الوعى ؛ ليس فقط لأنها خط الدفاع الاول عن الدولة والشعب ، وإنما لأن صورتها نفسها تغيرت خلال السنوات الأخيرة، فقد تطورت أدواتها، وتوسعت قنوات تواصلها مع المواطنين، وأصبحت سرعة الاستجابة للشكاوى والاستغاثات جزءًا من حضورها اليومي، إلى جانب اتساع نطاق الخدمات والمبادرات الاجتماعية.


وبين سرعة الاستجابة، وتطور الخدمة، والحضور الاجتماعي، والتواصل المباشر، تتشكل صورة مختلفة للمؤسسة؛ صورة لا تلغي وظيفتها الأمنية الأصلية، وإنما تضيف إليها أبعادًا جديدة.


فالوزارة كانت اول من استجاب لتكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسى بالتخفيف عن المواطنين وقامت بتطبيق نظام الشباك الواحد بوحدات المرور، والغاء شرط تقديم معدات السلامة وهو ما ساهم فى خفض القيمة الاجمالية للترخيص ، كما وسعت قنوات تقديم الخدمات، وأدخلت مزيدًا منها في المسار الإلكتروني، من المرور والأحوال المدنية والأدلة الجنائية وتصاريح العمل والهجرة والجنسية وغيرها، بما يجعل العلاقة بين المواطن والمؤسسة أقل اعتمادًا على الإجراءات التقليدية وأكثر ارتباطًا بسرعة الإنجاز وسهولة الوصول إلى الخدمة.


وأضحت فلسفة عمل الوزارة هى الاستجابة السريعة، فكم من منشور على مواقع التواصل الاجتماعي يحمل استغاثة ثم بعدها مباشرة تعلن صفحة الوزارة التعامل القانونى مع الواقعة وتحديد أطرافها واتخاذ الإجراءات اللازمة ضدها، نحن أمام صورة جديدة للأمن ، وفيها لا ينتظر دائمًا أن يصل المواطن إلى المؤسسة؛ بل تتحرك المؤسسة مباشرة إلى المواطن ، وهذا هو معنى أن تدخل التكنولوجيا إلى قلب العمل الأمني لتطبق عمل امنى ناجز يرى ان حماية المواطن على راس اولوياته .


كما يزعجهم ايضا الدور الاجتماعى للوزارة ، فلم تعد مبادرة كلنا واحد مرتبطه بظروف معيشية استثنائية تطلب تدخل الوزارة وانما تحولت إلى شبكة واسعة من المنافذ والشراكات التي تستهدف تخفيف أعباء المعيشة، وامتدت يدها إلى المرضى والأيتام وكبار السن، وشاركت فى حملات التبرع بالدم، والقوافل والمساعدات الموجهة إلى الفئات الأولى بالرعاية، ومبادرات الرعاية الصحية من خلال مستشفيات الشرطة، والاهتمام بذوي الهمم ومحاولات دمجهم اجتماعيًا، وتوفير المستلزمات والحقائب المدرسية، كما اطلق مأموري أقسام ومراكز الشرطة مبادرة لمساندة محدودي الدخل.


تدرك الوزارة جيدا الظروف المحيطة بالتحديات الاقتصادية ، وتتحرك لمساندة دولتها وشعبها لتحقيق الحماية الاجتماعية وهى ليست وظيفة منفصلة عن الأمن كما قد يبدو ، إنها جزء من الأمن الإنساني بمعناه الأوسع؛ أن ترى المؤسسة الإنسان باعتباره محور كل تحركاتها .


لقد تغيرت الصورة القديمة التى تختزل الوزارة في القوة والملاحقة وانفاذ القانون وتحولت الى صورة اخرى اكثر حداثة وعصرية تعتمد على سرعة الاستجابة والرعاية والمشاركة الاجتماعية والتكنولوجيا ومراعاه حقوق الانسان.


بل ان الوزارة نجحت فى الانتقال من ميدان الجريمة التقليدى الى ميدان الجريمة الرقمية حيث حصلت مؤخرا على جائزة «الحامي المُبدع» لعام 2026 (Creative Protector Award) من رابطة صناعة السينما الأمريكية MPA، تقديرًا لدورها في مكافحة القرصنة الرقمية وحماية حقوق الملكية الفكرية .


والجائزة جاءت على خلفية عملية تفكيك شبكة StreamEast، التي وصفتها رابطة صناعة السينما الأمريكية بأنها واحدة من أكبر شبكات البث الرياضي غير المشروع في العالم، وقد سجلت الشبكة أكثر من 1.6 مليار زيارة خلال عام واحد، فيما كشفت عملية الإنفاذ عن شبكة كبيرة من المواقع والبنية التحتية المرتبطة بها،  وقالت الرابطة الامريكية إن أجهزة الوزارة استولت على أكثر من 120 نطاقًا وأوقفت مواقع كانت تجذب هذا الحجم الهائل من الزيارات.


والأكثر أهمية أن القضية لم تتوقف عند إغلاق المواقع ، ففي يوليو الماضى قضت محكمة القاهرة الاقتصادية بإدانة مشغلي الشبكة، وحكمت على كل منهما بالسجن عامين وغرامات مالية، مع مصادرة الأصول والمعدات وإغلاق عدد من النطاقات المرتبطة بالنشاط، في قضية شاركت فيها جهات إنفاذ القانون المصرية والنيابة المختصة بالاقتصاد وغسل الأموال إلى جانب تحالف ACE المعني بمكافحة القرصنة.


وهنا تكمن دلالة أخرى وهى ان الوزارة لم تعد تطارد الجريمة حيث تقع في الشارع فقط؛ وإنما حيث تختبئ خلف شاشة وخادم ونطاق إلكتروني وتدفقات مالية فالجريمة تغيّرت، وأدوات المواجهة تغيرت معها فضلا عن أن مفهوم «الأمن» نفسه يتغير.


وهنا تظهر المفارقة ، فبينما ينشغل البعض بمحاولة اعادة إنتاج صورة قديمة للوزارة على منصات التواصل، كانت الوزارة نفسها تتحرك إلى المستقبل فالمعركة الامنية لم تعد تقتصر فقط على تحقيق الامن فى الشارع ؛ وإنما كذلك على من يستطيع حماية الفضاء الرقمي.


وهنا السؤال يتحول الى علامة تعجب ، فى المقارنة بين اداء مؤسسات الدولة التى تتحرك الى الامام ، بينما توجد في المقابل أصوات تريد أن تعيد المجتمع كله إلى الخلف، إلى صور قديمة، وروايات قديمة، واستقطاب قديم؟ فى لحظة بالغة الحساسية والخطورة .


وربما هنا يمكن فهم جانب من أسباب الاشتباك الحاد حول وزارة الداخلية، فتغيير الصورة الذهنية لمؤسسة بحجم الداخلية يعني، في جانب منه، تغيير طريقة قراءة الدولة نفسها، والذين يسعون إلى إضعاف أي مؤسسة أمنية لا يحتاجون دائمًا إلى مواجهتها بالقوة بل اضعافها فى نظر المواطن بالتشكيك والطعن فى الثقة بتحويل الشبهات والادعاءات الى يقين .
يزعجهم ان نتذكر جميعا ان رجال الشرطة هم نبت الشعب المصري ، أول من يراه المواطن عند الخطر؛ في حادث، أو حريق، أو جريمة، أو استغاثة.


وقبل أسابيع استشهد اللواء محمد الشربيني، مدير الإدارة العامة للحماية المدنية بالقاهرة، متأثرًا بإصابته خلال قيادته رجال الإطفاء في حريق منشأة ناصر ، وقطعا لا يمكن ان نمحى من الذاكرة صورة الضباط الصغار الذين قطعوا إجازاتهم، وتركوا بيوتهم، وارتدوا ملابس العمل في الشوارع لإطفاء حريق سنترال رمسيس وإنقاذ الناس، هم إخوة وزملاء عشرات الشهداء الذين قدموا حياتهم من أجل حماية أمن مصر، مع أشقائهم في القوات المسلحة.


يزعجهم جدا رجل الشرطة الانسان الذى يظهر بجوار المواطن في لحظة احتياج، لا في لحظة مواجهة فقط، يزعجهم الاستجابة السريعة للاستغاثة وحل الشكوى ويزعجهم قوة المؤسسة والتفاف الناس حولها .


وقوة المؤسسة تنسحب ايضا على محاسبة افرادها وهى امور غير معلنه بالضرورة لكنها لا تتستر على خطأ ولاتحمى المخطىء ، فلا يمكن للوزارة التضحية بصورتها لحماية فرد ارتكب جريمة او تجاوز فى تطبيق القانون .


وفي هذا السياق، تصبح مسؤولية المجتمع أكبر، خصوصًا في عصر يمكن فيه لمقطع مدته ثوانٍ أن يسبق التحقيق، ولرواية غير مكتملة أن تفرض نفسها قبل ظهور الحقيقة، فاعمال العقل قبل الحكم على الاشياء فريضة وواجب ، وضجيج مواقع التواصل لا يصلح مجتمعا بل يخفى تحته تحركات خبيثة تستهدف مناعة المجتمع وهدفها ليس العدالة بالتاكيد بل ضم مصر الى طابور الدول الفاشلة وذلك خطر داهم على الدولة والمواطن .


ربما من المفيد ان نتذكر تحذير الرئيس السيسى فى عيد الشرطة الاخير لاننا نراه الان يتجسد على ارض الواقع ، قال الرئيس فى كلمته نصاً " أؤكد لكم أن مؤسسات الدولة هي عنصر استقرار وأمن للدولة، فالميليشيات لا تحمي دول، والدول التي تصورت أن إنشاء الميليشيات يمكن أن يكون لها دور في حماية الأنظمة، تحولت تلك الميليشيات إلى أداة لتدمير الدول، ومن فعلوا ذلك رحلوا، وأن الله سبحانه وتعالى هو من حفظ مصر .


ثم دعا الرئيس الى تحصين شباب مصر وقال " أننا مطالبين بتحصين شباب مصر خاصة من لم يكن واعيًا لمرحلة عام ٢٠١١، خاصة مع مخاطر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل غير ملائم، لاسيما الذكاء الاصطناعي الذي يمكن أن يخلق سياقات غير حقيقية، وأؤكد هنا أن حماية الدولة ليس بالإجراءات الأمنية فقط، بل كذلك بإجراءات تقوم بها مؤسسات الدولة المختلفة، ومنها المساجد والكنائس والجامعات والمدارس، وهناك ثمن كبير يدفع لعدم الاستقرار، فأي اضطراب بيحدث في أي دولة ثمنه الحاضر والمستقبل، وبالتالي فلا بد أن نأخذ بالأسباب في الجامعات والمساجد والبيوت، ومن هنا فإن موضوع الوعي مهم، فلقد تغلبنا على موجة الإرهاب نهائيا في ٢٠٢٢، فعلى مؤسسات الدولة أن تستمر في توعية المواطنين، فالهدف ليس حماية نظام " .


لا يلدغ المؤمن من جحرٍ واحد مرتين ، ومصر دفعت ثمن هذه اللدغة من قبل يناير 2011 تم صناعة ضحية، ثم تحويلها إلى رمز، ثم حشد الملايين حول قصة لم تكتمل حقيقتها، حتى قفزت البلاد إلى فراغٍ سياسي وأمني دفعنا ثمنه سنوات طويلة.


كان الهاتف يومها أسرع من الحقيقة، والصورة أقوى من الوقائع، والغضب أقدر على الحشد من العقل ، ولولا يقظة الشعب، وانحياز الجيش لجموع المصريين فى ثورة يونيو 2013 ربما كانت مصر الان تخوض حربا اهلية بين مليشيات ، مهدمة مقسمة وارضها محتله كما نرى حولنا الان .


حتى اللحظة ندفع ثمن القفز في الفراغ، في صورة ضغوط اقتصادية، وتحديات أمنية، وتعقيدات إقليمية، وكلفة متراكمة ما كان يمكن لمصر أن تتحملها لولا صلابة الدولة وقدرتها على استعادة توازنها.


الخطر في أن نسمح للمشهد نفسه أن يتكرر بأدوات أكثر تطورًا و الدول القوية لا يمكن أن تُترك رهينة لمنصات افتراضية يستطيع أفراد، أو مجموعات منظمة، أن يصنعوا عليها رواية، ويضخموا واقعة، ويستدعوا الغضب، ثم يدفعوا به في اتجاه مؤسسة من مؤسسات الدولة .


قليلا من العقل والاحتكام لدولة القانون يحافظ على الدول ويقطع الطريق على اهل الشر ..كل اهل الشر .

تم نسخ الرابط