مع اقتراب الانتخابات.. هل يتخلى الحريديم عن نتنياهو بسبب التجنيد؟
تضع أزمة تجنيد اليهود الحريديم الأحزاب الدينية الإسرائيلية أمام اختبار سياسي حساس، مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر المقبل، بعدما تحولت قضية إعفاء طلاب المعاهد الدينية من الخدمة العسكرية إلى واحدة من أبرز نقاط التوتر بين الأحزاب الحريدية وحكومة بنيامين نتنياهو.
وتأتي الانتخابات في ظل استمرار الخلاف بشأن وضع طلاب المعاهد الدينية تجاه الخدمة العسكرية، وهي قضية قديمة في السياسة الإسرائيلية، لكنها اكتسبت أهمية أكبر خلال سنوات الحرب، مع تصاعد المطالب داخل قطاعات من المجتمع الإسرائيلي بمشاركة الحريديم في الخدمة، في وقت تواجه فيه المؤسسة العسكرية ضغوطًا متزايدة على القوى البشرية.
وتتمسك الأحزاب الحريدية، وفي مقدمتها «شاس» و«يهدوت هتوراه»، بموقفها الرافض للتجنيد الإلزامي لطلاب المعاهد الدينية، بينما يحاول نتنياهو الحفاظ على تماسك ائتلافه وعلاقته بهذه الأحزاب، التي تمثل عنصرًا مهمًا في الحسابات السياسية لمعسكره.
وتشير تحليلات انتخابية إلى أن قضية التجنيد أصبحت من القضايا القادرة على تحريك الناخبين عبر الانقسامات السياسية القائمة، خصوصًا بعد سنوات من الحرب.
موقف انتخابي غير محسوم
ويرى المحلل السياسي والخبير في الشأن الإسرائيلي أشرف عكة أن أزمة تجنيد الحريديم لم تتحول حتى الآن إلى عامل يمكن الجزم بأنه أحدث تحولًا انتخابيًا فعليًا داخل الجمهور الحريدي، مشيرًا إلى أن الحكم على تأثير الأزمة يحتاج إلى انتظار سلوك الناخبين خلال الأسابيع الأخيرة التي تسبق التصويت.
ويقول عكة، في تصريحات صحفية، إن «طبيعة المؤشرات والاستطلاعات الحالية تعكس حالة من التوازن بين المعسكرين المتنافسين في إسرائيل، سواء بين المعارضة والائتلاف الحاكم، فيما لا يزال موقف الجمهور الحريدي من الخريطة السياسية المقبلة غير محسوم بصورة نهائية».
ويضيف أن «الاحتمال القائم هو أن تبقى الأحزاب الحريدية جزءًا من الحكومة المقبلة، حتى في حال تغيرت تركيبتها السياسية أو انتقلت رئاسة الحكومة إلى منافس نتنياهو»، مشيرًا إلى إمكانية حدوث إعادة تموضع داخل المجتمع الحريدي بعيدًا عن نتنياهو.
ويعتقد عكة أن هناك محاولات لترتيب هذا التموضع، لكنه يرى أن ملامحه لم تُعلن بصورة واضحة حتى الآن، لافتًا إلى وجود ضغوط واتصالات مع الحاخامات والمؤسسات الدينية بشأن مستقبل الموقف الحريدي من المعركة السياسية.
ويقول إن «المتغير الأساسي في قراءة المشهد الانتخابي لا يقتصر على أزمة التجنيد»، موضحًا أن الانتخابات المقبلة ستشهد أيضًا دخول عشرات الآلاف من الناخبين الشباب إلى العملية الانتخابية للمرة الأولى، وهو ما قد يضيف كتلة جديدة إلى الحسابات الحزبية.
وبحسب عكة، فإن جزءًا من هؤلاء الناخبين ينتمي إلى المجتمع الحريدي أو إلى التيارات اليمينية، ولذلك فإن طبيعة وعيهم السياسي وسلوكهم الانتخابي ستتأثر بما ستشهده إسرائيل خلال الأسابيع المقبلة، وبكيفية إدارة الحكومة للأحداث والقضايا التي ستكون في صدارة الحملة الانتخابية.
ويرى أن أزمة التجنيد قد تكون عاملًا مهمًا في تحديد اتجاهات الناخبين، لكنها ليست بالضرورة العامل الوحيد أو الرئيسي، إذ ستتداخل معها طبيعة الأحداث الأمنية والسياسية، والبرامج الانتخابية، والقضايا التي ستتصدر النقاش العام قبيل التصويت.
خلاف تاريخي يتسع مع الحرب
ويرى الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم أن أزمة تجنيد الحريديم تأتي في سياق خلاف تاريخي بين الدولة الإسرائيلية والمجتمع الحريدي، إلا أن تداعياتها اتسعت بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع تصاعد الضغوط السياسية والمجتمعية لإلزام الحريديم بالخدمة العسكرية.
ويشير إبراهيم، في تصريحات صحفية، إلى أن الأحزاب الحريدية تشكل جزءًا أساسيًا من المعسكر الداعم لنتنياهو، إلى جانب «الليكود» والأحزاب اليمينية والدينية، موضحًا أن العلاقة بين الطرفين قامت على مدى سنوات على تبادل المصالح السياسية، بما في ذلك دعم المؤسسات والمعاهد الدينية والميزانيات المخصصة لها.
ويقول إن «الحرب أعادت قضية التجنيد إلى الواجهة بقوة، بعدما تصاعدت المطالب داخل المجتمع الإسرائيلي بمشاركة الحريديم في الخدمة العسكرية، في وقت يحاول فيه نتنياهو الحفاظ على تماسك ائتلافه السياسي وعدم خسارة الأحزاب الحريدية».
ويفرق إبراهيم بين الحريديم والتيارات الدينية القومية، موضحًا أن الخلاف حول التجنيد أكثر حدة لدى الأحزاب الحريدية، وفي مقدمتها «شاس» و«يهدوت هتوراه»، بينما توجد مواقف مختلفة لدى أحزاب اليمين الديني بشأن الخدمة العسكرية.
وبحسب إبراهيم، حاول نتنياهو خلال السنوات الماضية الموازنة بين الضغوط المطالبة بتجنيد الحريديم وبين ضرورة إبقاء الأحزاب الحريدية داخل الائتلاف، إلا أن هذه المعادلة أصبحت أكثر صعوبة مع استمرار الحرب وتصاعد الحاجة إلى قوات إضافية في الجيش.
ويشير إلى أن حالة من القلق بدأت تظهر لدى نتنياهو بشأن موقف الأحزاب الحريدية، رغم اعتقاده بأنها لا تزال مرتبطة بمعسكره السياسي، موضحًا أن الخلاف لا يتعلق بالتجنيد وحده، وإنما بمجموعة من المطالب التي تطرحها الأحزاب الحريدية في مواجهة الحكومة.
ويضيف أن «الأحزاب الحريدية لا تزال قادرة على استخدام وزنها السياسي للضغط على نتنياهو، خصوصًا في ظل عدم وجود كتلة سياسية قادرة بسهولة على تشكيل حكومة دون الحاجة إلى تحالفات مع أطراف أخرى».
شاس و«يهدوت هتوراه» في قلب الحسابات
ويرى إبراهيم أن «شاس»، بقيادة أرييه درعي، تملك مساحة واسعة للمناورة السياسية، وأنها قد تستخدم هذه المساحة للحصول على ضمانات أو تنازلات بشأن القضايا التي تهم جمهورها، وفي مقدمتها قضية التجنيد والتعليم الديني.
وتحاول الأحزاب الحريدية خلال المرحلة الحالية الحفاظ على أجندتها السياسية في مواجهة الضغوط المتعلقة بالتجنيد، فيما أظهرت مواقفها خلال الأشهر الماضية أن الخلاف مع الحكومة يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط سياسي، وليس مجرد خلاف على ملف واحد.
وقد نفت «شاس» و«يهدوت هتوراه» في يونيو الماضي تقارير عن التوصل إلى اتفاق مع نتنياهو بشأن حزمة من القوانين المرتبطة بأجندتهما، وذلك بعد اجتماع جمع رئيس الوزراء مع أرييه درعي ورئيس فصيل «ديغل هتوراه» موشيه غافني.
ويقول إبراهيم إن «المشهد الانتخابي الإسرائيلي لا يزال مفتوحًا على أكثر من احتمال، في ظل التقارب بين الكتل السياسية، وهو ما يزيد أهمية أصوات الأحزاب الحريدية وقدرتها على التأثير في شكل الائتلاف المقبل».
ويضيف أن «هذه المعادلة تمنح الأحزاب الحريدية فرصة لزيادة الضغط على نتنياهو قبل الانتخابات، في محاولة للحصول على التزامات واضحة بشأن مطالبها، فيما تبقى قدرتها على المناورة مرتبطة بنتائج الانتخابات وتوزيع المقاعد بين الكتل المتنافسة».
ويرى إبراهيم أن الأسابيع المتبقية حتى الانتخابات ستكون حاسمة في تحديد اتجاهات هذه العلاقة، خصوصًا أن الأحزاب الحريدية، رغم دعمها التقليدي لنتنياهو، لا تتعامل مع التحالف السياسي باعتباره التزامًا ثابتًا بعيدًا عن حسابات المصالح والنتائج الانتخابية.



