زاد اهتمام العالم مؤخرا بأهمية الممرات البحرية الدولية مثل باب المندب ومضيق هرمز والبحر الأسود و يمكن فهم إصرار الولايات المتحدة على السيطرة على جزيرة جرين لاند التابعة للدنمارك في هذا الإطار، فقد وقعت الولايات المتحدة اتفاقية أمنية ثلاثية في ٢٢ سبتمبر الحالي مع الدنمارك وغرينلاند، تهدف إلى توسيع الوجود العسكري الأمريكي في الجزيرة مع الحفاظ على السيادة الدنماركية وحق غرينلاند في تقرير مصيرها ، بحيث تحافظ الجزيرة على تبعيتها للتاج الدنماركي، بينما تحصل واشنطن على مساحة ونفوذ عسكري استراتيجي واسع ، و يهدف التواجد الأمريكي الجديد إلى تعزيز الدفاع في منطقة القطب الشمالي ومواجهة التمدد الروسي والصيني ، وقد جاءت هذه الاتفاقية بعد مطالبات متكررة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشراء أو السيطرة على غرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي، قبل أن يتم التوصل إلى هذا الحل الدبلوماسي العسكري.
و تعتبر تلك الاتفاقية نموذجا للحمى الدولية التي ستزداد لدى بعض القوى الكبرى لمزيد من السيطرة على الممرات البحرية والأماكن الاستراتيجية التي كانت منسية ،
و ما يعنينا في المنطقة بشكل أكبر حاليا هما ممر باب المندب ومضيق هرمز وكذلك البحر الأسود لأنهما ممرات تنفذ منها العديد من السفن التجارية وسلاسل الإمداد الغذائي و الوقود ، و لهذا فقد كان التحرك الدبلوماسي المصري غاية في الذكاء في التعامل مع الأزمات في تلك المناطق فبدلا من التركيز على المشكلة الثنائية فقط بين امريكا و اسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر او في المقابل روسيا ضد أوكرانيا تميز الطرح الدبلوماسي المصري بالتركيز على النطاق الأوسع الذي يؤثر على التجارة الدولية وبالتالي الاقتصاد العالمي كله بشكل عام والاقتصاد المصري بشكل خاص ،نظرا لتأثير إيرادات قناة السويس و تدفق السفن إليها بكل تلك المشاكل في الممرات البحرية الدولية ،
و قد قدمت مصر رؤيتها علي مدي الفترة الماضية سواء بشكل ثنائي أو عبر المحافل الدولية وكان آخرها على منصة الأمم المتحدة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة،
و قد لفت الأنظار ما ذكره الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في قناته عبر واتساب حيث أشار إلي أنه أجري محادثات منفصلة مع قادة عدد من الدول لحل أزمة الملاحة في البحر الأسود، و هي مصر والهند وتركيا وممثلون عن الشرق الأوسط، كما تواصلت وزارة الخارجية الأوكرانية مع نظرائها في تلك الدول.
و بالفعل كان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد تلقى في ١٤ أغسطس الماضي اتصالًا هاتفيًا من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. حيث أشار الرئيس السيسي إلى الجهود المصرية المتواصلة الرامية إلى خفض التصعيد الإقليمي، مشددًا على أهمية تسوية التوتر الإقليمي الراهن عبر الوسائل السلمية حفاظًا على السلم والاستقرار بالمنطقة، داعياً لتضافر الجهود الإقليمية والدولية لوقف التصعيد الراهن، أخذًا في الاعتبار آثاره السلبية على الأمن والاستقرار وعلى حركة التجارة الدولية. ومن جانبه، ثمن الرئيس الأوكراني الجهود التي تبذلها مصر في هذا الإطار، مشيرًا إلى اتفاقه مع رؤية االرئيس حول ضرورة خفض التصعيد والتوتر الراهنين.
وقد استعرض الرئيس الأوكراني مستجدات الحرب الروسية – الأوكرانية، مثمناً حرص مصر على إنهاء الحرب. وفي هذا الإطار، جدد الرئيس السيسي موقف مصر الداعم للتوصل إلى تسوية سياسية لهذه الأزمة، معربًا عن استعداد مصر لتقديم الدعم لجهود تسويتها سياسيًا في أقرب وقت.
وبعدها بأيام أجري د. بدر عبد العاطي وزير الخارجية و التعاون الدولي والمصريين بالخارج اتصالاً هاتفيًا مع وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها في 31 أغسطس الماضي جرى خلاله تجديد الموقف المصري الداعي لخفض التصعيد وإنهاء النزاع بالطرق الدبلوماسية
ثم التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي ١١ سبتمبر الرئيس فلاديمير بوتين، رئيس جمهورية روسيا الاتحادية، وذلك على هامش القمة الثامنة عشرة لتجمع البريكس، التي عقدت بالعاصمة الهندية نيودلهي.
حيث أشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي، أن الزعيمين تبادلا الرؤى حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك،. كما تطرق اللقاء إلى الأزمة الإيرانية، حيث أكد الرئيسان أولوية خفض التصعيد والعودة إلى مسار التفاوض، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل ومستدام ينهي الأزمة بالوسائل السلمية.
و كذلك ألتقي د. بدر عبد العاطى نظيره الأوكراني أندريه سيبيها في 22 سبتمبر على هامش أعمال الشق رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث أعرب الجانبان عن التطلع إلى مواصلة الارتقاء بأوجه التعاون الثنائي وتطوير أطر التعاون القائمة بين البلدين، من خلال مواصلة عقد جولات المشاورات السياسية واللجان المشتركة، وتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري.
و ايضا التقى د. بدر عبد العاطي، وزير الخارجية مع رادوسواف سيكورسكي، وزير خارجية بولندا، يوم الاثنين ٢١ سبتمبر، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك حيث أكد الوزير عبد العاطي دعم مصر للتوصل إلى تسوية سلمية للأزمة الروسية الأوكرانية من خلال الحوار والوسائل الدبلوماسية، بما يضع حداً للصراع وتداعياته الإنسانية والاقتصادية، كما استمع إلى تقييم نظيره البولندي بشأن أحدث التطورات والجهود المبذولة للتوصل إلى تسوية سياسية للأزمة.
و في نفس السياق التقى د. بدر عبد العاطي، مع إلينا فالتونين، وزيرة خارجية فنلندا، ٢٣ سبتمبر، كما التقى د. بدر عبد العاطي، مع سيرجي لافروف، وزير خارجية روسيا الاتحادية، ٢٣ سبتمبر على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة ، حيث تبادل الوزيران الرؤى والتقديرات بشأن التطورات المتسارعة في المنطقة، مؤكدين أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين البلدين دعما للجهود الرامية إلى خفض التوترات واحتواء الأزمات، والتوصل إلى تسويات سياسية مستدامة للقضايا والنزاعات القائمة، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين. كما بحثا التطورات في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بما في ذلك أمن الملاحة وحرية حركة التجارة الدولية، مع التأكيد على أهمية احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، والالتزام بقواعد القانون الدولي، ودعم الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمات، ومواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين في المحافل الدولية.
كل تلك الاتصالات واللقاءات تصب في صالح إيجاد أفكار لوقف الحرب الروسية الأوكرانية و بدأ مرحلة التفاوض للوصول إلى حل سياسي وهو ما أشار إليه بشكل واضح ومباشر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في تصريحاته بوجود أفكار ووساطة مصرية و هو أمر تتمسك به أوكرانيا خوفا من التصعيد الروسي المنتظر للوصول إلى وضع قوي على الارض والسيطرة على اوديسا و البحر الاسود و اغلاق كل الممرات البحرية أمام أوكرانيا تمهيدا لخنقها قبل أى مفاوضات سياسية حقيقية ، و بالطبع تسعى روسيا لفرض هيمنتها على البحر الأسود باعتباره منفذاً استراتيجياً وحيوياً لتجارتها وعملياتها العسكرية نحو المتوسط والشرق الأوسط ، حيث يمثل البحر الأسود صلة وصل رئيسية لربط الأراضي الروسية بالمياه الدافئة نحو البحر الأبيض المتوسط.، و تستخدم موسكو السيطرة البحرية كأداة ضغط سياسي واقتصادي عبر تعطيل أو تنظيم تدفقات الحبوب والطاقة. و قد قدمت مصر مؤخراً مقترحات لأمن الملاحة وإعادة فتح ممر للحبوب ، إلا أن تلك الأفكار لا تزال محل مشاورات مع روسيا و أوكرانيا و الدول الأوروبية و بالطبع الولايات المتحدة، و اتوقع ان تجلس روسيا على مائدة المفاوضات و تستجيب للأفكار المصرية ولكن بعد أن تكون استولت على عدة موانئ تغلق بها الباب أمام أى منفذ لأوكرانيا على البحر الأسود ، و بالتالي تستطيع موسكو فرض شروطها كطرف منتصر في تلك الحرب التي طالت أكثر مما كانت تتوقع موسكو بفضل دعم الناتو و أوروبا لأوكرانيا،الأمر الذي جعل روسيا تعاني من حرب استنزاف مفتوحة ، و الدليل على قرب مرحلة التفاوض هو تصريحات وزير الخارجية سيرجي لافروف الاخيرة والتي أبرزتها وسائل الإعلام الروسية بصورة غير عادية حول انفتاح روسيا على تسوية دبلوماسية لإنهاء حربها مع أوكرانيا تحمل لهجة تصالحية غير مسبوقة، كما ألمح ديمتري بسكوف المتحدث الرسمي باسم الرئيس بوتين الي عدم ممانعة روسيا في بدء التفاوض مع اوكرانيا من اجل التوصل الي اتفاق سلام دائم ينهي هذه الحرب التي لم تعد في صالح اي منهما ، وان لقاء قمة يجمع بين الرئيسين الروسي والأوكراني يمكن ان يتم بينهما في موسكو في اي وقت ، مع ترحيب الرئاسة الروسية بالدور الذي يمكن ان يقوم به الرئيس الامريكي دونالد ترامب لانهاء الحرب الاوكرانية لثقتها الكبيرة في اهمية هذا الدور ،
ولعل ما يمكن التكهن به بالنسبة الحرب الروسية الأوكرانية و قرب بدأ مفاوضات لإنهاء هذه الحرب أمر يختلف بعض الشيء عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فمن الصعب التكهن حاليا بإمكانية نجاح الجهود الدبلوماسية التي تبذلها مصر وأطراف أخرى لإنهاء هذه الحرب و حتي مع تقديم إيران لأفكار لهدنة مدتها أيام لبدء التهدئة والعودة لاتفاق أو مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها في يونيو الماضي (عُرفت باسم مذكرة إسلام آباد) لإنهاء الحرب والتوترات، إلا أن هذا الاتفاق تراجع وانهار سريعاً في يوليو بعدها بشهر فقط .و قد رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العودة لمذكرة التفاهم و هدد مجددا بإبادة إيران من على منبر الأمم المتحدة إلا أنه وكالعادة لم يغلق الباب بشكل كامل أمام التوصل لاتفاق ، حيث تخوض واشنطن و طهران مفاوضات غير مباشرة ووساطات دولية مكثفة (عبر أطراف مثل مصر وقطر ) للوصول إلى تهدئة شاملة، رغم رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب لأحدث مقترح إيراني وإصراره على اتفاق أوسع و رفض ترامب المقترح الإيراني الأخير، وأكد أنه يدفع نحو اتفاق أكثر شمولاً لا يقتصر فقط على فتح مضيق هرمز بل يشمل أيضاً البرنامج النووي الإيراني ، و في المقابل صرح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده لا ترغب بمواصلة القتال ومستعدة لإبرام اتفاق لإنهاء الحرب ضمن الأطر القانونية الدولية.
وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد التقى في ٢٠ سبتمبر الحالي جون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وذلك بحضور الوزير حسن رشاد، رئيس المخابرات العامة. حيث تم خلال اللقاء تطورات استعراض الأوضاع في الشرق الأوسط، وأكد السيسي دعم مصر الكامل للجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق شامل ينهي الأزمة الإيرانية، بما يسهم في استعادة الأمن والاستقرار في المنطقة وضمان حرية الملاحة الدولية. كما جدد الرئيس التأكيد على موقف مصر الثابت في دعم أمن وسيادة الدول العربية ورفض أي اعتداء عليها، مشددًا على أهمية تسوية الأزمات الإقليمية عبر المسارات السياسية والدبلوماسية، ومعالجة جذورها بصورة شاملة، بما يحفظ مؤسسات الدول الوطنية ويصون وحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية.وأوضح السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي، أن مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية نقل إلى الرئيس تحيات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معربًا عن تقديره للقاء، ومؤكدًا حرص الإدارة الأمريكية على مواصلة العمل والتنسيق الوثيق مع مصر لتعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. كما أشاد بالدور المحوري الذي تضطلع به مصر في دعم الجهود الرامية إلى التوصل لتسويات سلمية وشاملة لأزمات المنطقة،
و كذلك التقى الرئيس عبد الفتاح السيسي بالعاصمة الهندية نيودلهي، بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في ١٣ سبتمبر الحالي وذلك على هامش أعمال القمة الثامنة عشرة لتجمع البريكس.حيث شدد السيسي على موقف مصر الثابت والراسخ في دعم جهود استعادة الاستقرار في المنطقة، مؤكداً تطلع مصر إلى قيام إيران بكافة الجهود الممكنة لوقف التصعيد والتوصل إلى تسوية سلمية شاملة ومستدامة للأزمة، بما يكفل صون سيادة دول المنطقة وحماية مقدرات شعوبها. كما شدد الرئيس على حتمية وقف أي اعتداءات على الدول العربية، حفاظاً على مبادئ حسن الجوار وتعزيزا للروابط التاريخية والثقافية التي تجمع شعوب المنطقة. و في نفس السياق التقى الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية بنظيره الإيراني عباس عراقجي في مدينة نيويورك، وذلك على هامش مشاركتهما في اجتماعات الشق رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
و صرح السفير نادر زكي المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية ان اللقاء ركز على مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية والجهود المبذولة لخفض التصعيد ونزع فتيل الصراع. كما تم استعراض المقترحات والجهود الدبلوماسية المطروحة للتوصل إلى اتفاق يهدئ الأوضاع المتوترة في المنطقة كما أكد الوزير عبد العاطي على الأهمية القصوى لاحترام أمن واستقرار دول الخليج العربي وجميع دول المنطقة كركيزة أساسية للأمن الإقليمي. و أكد على ضرورة اضطلاع كل دولة بمسؤولياتها لضمان حرية حركة الملاحة في الممرات البحرية الحيوية (مثل البحر الأحمر ومضيق هرمز)، وتجنب تداعياتها السلبية على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد. كنا دعت مصر إلى استئناف الحوار والمسار التفاوضي الدبلوماسي للتوصل إلى تفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران، باعتباره السبيل الوحيد لإنهاء الأزمات الراهنة ، و قد جاء هذا اللقاء في سياق تحركات مصرية مكثفة تبذلها القاهرة مع مختلف الأطراف المعنية للحد من مخاطر اتساع رقعة الصراع في الشرق الأوسط و ضمان حرية الملاحة ،
والأمر المؤكد أن المحاولات الدبلوماسية المصرية مستمرة بشكل حثيث للتوصل إلى إقناع كلا من روسيا وأوكرانيا للجلوس علي مائدة المفاوضات وإنهاء الحرب و كذلك تستمر الجهود المصرية لإقناع كلا من الولايات المتحدة وإيران من جهة أخرى لإنهاء الحرب و بدأ مفاوضات تشمل كل القضايا بما فيها تأمين الممرات البحرية في باب المندب ومضيق هرمز .