في قصة مصرية عمرها نحو أربعة آلاف عام، يروي موظف القصر الملكي سنوهي ملابسات هروبه من وطنه، ثم حنينه الدائم إليه حتى عاد ليدفن في ترابه. قصة سنوهي، إحدى أشهر النصوص الأدبية في مصر القديمة تشبه، إلى حدّ مذهل، ما يعيشه ملايين المصريين اليوم خارج البلاد، خاصة أولئك الذين يصل بهم الحنين إلى وصية أخيرة: "ادفنوني في مصر".
سنوهي، كان موظفاً في البلاط الملكي خلال الأسرة الثانية عشرة، تحديداً في عهد الملك أمنمحات الأول. تربى وسط النخبة، وكان مقرباً من الملك. لكن حياته تغيرت في لحظة واحدة.
في أحد الأيام، بينما كان سنوهي مرافقاً للحملة العسكرية بقيادة الأمير سنوسرت الأول الى الغرب، وصلت أنباء من القصر تفيد بوفاة والده، الملك أمنمحات الأول، الذي ارتبط في المصادر المصرية بمؤامرة عليه. سمع سنوهي المحادثة بين الرسل والأمير، فاستبد به الخوف الشديد. لم ينتظر ليعرف ما إذا كان مطلوباً أم لا، فقد قرر الهروب إلى بلاد الشام.
يصف سنوهي رحلة هروبه بتفصيل مؤثر. رجل على حافة الموت، لا يملك شيئاً، لا يعرف إلى أين هو ذاهب، ولا لماذا هو ذاهب. فقط يريد أن ينجو، ثم يقرر القدر الباقي.
في المنفى، استقبله أمير قبيلة بترحاب، لأنه سمع بأنه مصري. زوّجه الأمير ابنته الكبرى، وأعطاه أرضاً خصبة، وماشية، ومكانة عالية. أصبح سنوهي قائداً عسكرياً ناجحاً، ازدهرت حياته، وامتدت ممتلكاته، وكبر أبناؤه وصاروا رؤساء قبائل.
لكن، ورغم كل هذا الرخاء، كان شيء واحد ينغّص عليه حياته: الحنين إلى مصر. يصف في نصوصه كيف كان يتوق للعودة، ليس فقط ليعيش في وطنه، بل كان يخشى أن يموت في أرض غريبة.
في النهاية، وصلته رسالة من الملك سنوسرت الأول، تعفو عنه وتدعوه للعودة. كان رد فعل سنوهي مذهلاً: سجد للأرض، وبكى من الفرحة. عاد إلى مصر، واستقبله الملك، الذي قال له: ها قد عدت إلينا ثانية...
لحظة العودة هذه، هي لحظة اعتراف بأن الغربة لم تكن حلاً، وأن الرخاء في الخارج لم يكن كافياً. سنوهي لم يعد لأنه فشل في الخارج، لقد نجح هناك، وبنى حياة كاملة، لكنه ظل يشعر بأن شيئًا ما ينقصه. وربما لهذا ظلت قصة سنوهي حية: لأنها تضع الانتماء في مواجهة النجاح، وتترك لكل منا أن يقرر أيهما يمكن أن يعوض الآخر.
بعد أربعة آلاف عام، تبدو قصة سنوهي وكأنها مكتوبة عن المصريين في الخارج اليوم. وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يصل عدد المصريين بالخارج إلى أكثر من 14 مليون مصري، بين هجرة دائمة ومؤقتة. سافروا، لأسباب مختلفة: البحث عن عمل، الهروب من أزمات اقتصادية، أو البحث عن حياة أفضل. بعضهم هرب كما هرب سنوهي: بلا خطة، وبلا هدف واضح، فقط لأن الظروف لم تعد تسمح بالبقاء.
لكن الغريب أن شعورهم تجاه مصر لم يتغير كثيراً عن سنوهي. يقول السفير محمد أبو بكر صالح، نائب وزير الخارجية، إن الجالية المصرية بالخارج تتميز "برباط انتماء استثنائي وحنين عميق لوطنهم مقارنة بالجاليات الأخرى".
وربما لا توجد جملة تختصر هذا الحنين أفضل من كلمات "عم كمال"، مصري يعيش في أمريكا منذ 30 عاماً. قال في مقطع فيديو متداول: "أنا عايش في أمريكا من 30 سنة، ما اتمتعتش فيها ولا عشت. بحس إني عايش لما بكون في مصر. روحي بترجع لي لما بنزل مصر".
هذه الكلمات، تشبه إلى حد كبير ما قاله سنوهي قبل آلاف السنين نفس الشعور، رغم اختلاف الزمان والمكان والظروف. هذا ليس مجرد حب للوطن، بل هو شيء أعمق: إحساس بأن الروح تظل معلقة حتى تعود.
ما يجعل قصة سنوهي أكثر من مجرد نص أدبي قديم: إنها واحدة من أقدم الشهادات الأدبية التي وصلتنا عن تجربة الاغتراب والحنين الدائم إلى الوطن، والرغبة في العودة إليه، حتى في الموت.
ربما لهذا لم تنتهِ قصة سنوهي. فبعد أربعة آلاف عام، لا يزال المصري الذي يعيش بعيدًا عن بلده يحمل معه سؤالاً: هل يمكن أن يبني حياة كاملة في مكان آخر، ثم يظل يشعر أن جزءًا منه ينتظر مصر؟
سنوهي لم يقدم إجابة نظرية. لقد عاد.