نحن أمام تكنولوجيا لا تعترف بالحدود
الجغرافية ولا السياسية، وهذا منبع الخطورة فلو التزمت شركة بالقواعد الحاكمة، يصعب أن نلزم أخرى، تحت ضغط الرغبة في تحقيق المكاسب المليارية والأخطر من ذلك أنه إذا التزمت دولة، فكيف لنا أن نلزم أخرى وهكذا فنحن نعيد كرة سباق التسلح الذي دار أثناء الحرب الباردة، لكن على نطاق أوسع، إذ ان الكل مشارك الآن في سباق الذكاء الاصطناعي، وكانت الحرب الباردة في القرن الماضي بين أمريكا والاتحاد السوفيتي علي كافة الجبهات حتي وضعت أوزارها لصالح أمريكا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وكان العالم تحت الاستقطاب مستفيدا من التوازن في القوي حتي ظهرت التكنولوجيا كثورة عابرة للحدود ودخلت الصين منافسا قويا للشركات الأمريكية ونشر الذكاء الاصطناعي في كافة مناحيها الداخلية والسيطرة على تبني تلك التكنولوجيا ونشرها في دول العالم كلها، فلا يفوز في السباق إلا من تتبنى معظم الدول تقنياته الذكية وعلى غرار التنافس النووي يجب التعاون بين الجبارين المتنافسين لتفادي الكارثة، فيما تفرض الوقائع استعصاء الفوز الأحادي المنفرد بذلك السباق الخطر والمعقد والمتنوع.وعند أخذ هذه السباقات الإضافية في الاعتبار تبدو وضعية الولايات المتحدة غير مستقرة، فعلى رغم أن الشركات الأميركية لا تزال تحتفظ بتقدم مهم، وإن كان يتقلص، في طليعة أبحاث وتطوير الذكاء الاصطناعي، لكن واشنطن قد تخسر في سباقات أخرى، إذ تمتلك الصين مزايا كبيرة ولا يبدو أن أياً من القوتين العظميين متحمسة للتعاون لتجنب الكارثة، ونظراً إلى الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي في تغيير العالم فإن الأخطار جسيمة، فالخسارة قد تعني تبعية اقتصادية وضعفاً عسكرياً وتراجعاً في القيادة العالمية للولايات المتحدة وقد تقبل الولايات المتحدة، نظريا وعلى
مضض، بنظام ثنائي القطبية جديد، على أمل أن يمهد هذا "التحالف" الجديد الطريق للنصر، مثلما حدث للتحالف الأمريكي السوفيتي. كما قد يُنظر إليه أيضا كحل مؤقت مُرض للصين، لأن بكين عادة ما تُركز على المدى البعيد . ففي مجال الأمن القومي يتطلب اعتماد الذكاء الاصطناعي بصورة فعالة فهم القدرات التي يتيحها (والتهديدات التي يفرضها) الذكاء الاصطناعي المتقدم، ودمجه في الهياكل القائمة بطريقة تضمن تفوقاً عسكرياً حاسماً، ويعِد دمج الذكاء الاصطناعي بتحسين معالجة المعلومات الاستخباراتية وتسريع اتخاذ القرارات المبنية على البيانات وتحسين اللوجستيات وتوزيع الموارد وتمكين أنظمة ذاتية متطورة، وربما حتى تطوير "سلاح خارق"، مثل سلاح إلكتروني يمكنه شل البنية التحتية الحيوية للعدو ونظام القيادة والسيطرة، أو استخدامه دفاعياً لجعل الدولة منيعة ضد الهجمات السيبرانية،ولكن الخطورة في سباق التسلح التكنولوجي ليس بالضرورة أن يصبح الذكاء الاصطناعي "واعياً" أو أن يقرر فجأة مهاجمة البشر، كما تصور أفلام الخيال العلمي. الخطر الأكثر واقعية هو أن تصبح الأنظمة أسرع وأكثر استقلالية وأكثر قدرة على تنفيذ أعمال معقدة من قدرة البشر على مراقبتها والتدخل في الوقت المناسب.
وفي مجال الأمن السيبراني تحديداً، يمكن أن تتحول هذه القدرات إلى مشكلة كبيرة.
إذ ان السيطرة على شيء أكثر قدرة وذكاءً من البشرية جمعاء تمثل بالفعل تحدياً هائلاً، وأكبر بكثير من أي شيء واجهناه من قبل. لكن السيطرة على شيء يُعتقد أنه قد يكون واعياً، وأنه يستحق رفاهيتنا وله حقوقه الخاصة، قد تكون مستحيلة وسط مخاوف متزايدة من أن تتجاوز سرعة التطور قدرة الباحثين والمجتمع على فهم المخاطر المرتبطة بها والسيطرة عليها.