عاجل

في واشنطن، لا يجتمع دونالد ترامب وشي جين بينج لمناقشة خلاف تجاري عابر، ولا لالتقاط صورة دبلوماسية جديدة بين أكبر اقتصادين في العالم، القمة التي جمعت الرئيسين جاءت في لحظة تتقاطع فيها التجارة مع التكنولوجيا، والطاقة مع الأمن، والاقتصاد مع إعادة تشكيل موازين القوة الدولية، ولهذا فإن أهم ما في اللقاء ليس فقط ما خرج به الطرفان من اتفاقات، وإنما ما يكشفه الاجتماع نفسه عن طبيعة النظام الدولي الذي يتشكل أمامنا.

القمة تأتي بعد فترة من التصعيد الأمريكي الصيني، خصوصا في ملفات الرسوم الجمركية والرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة وسلاسل الإمداد، ومع ذلك، اختارت واشنطن وبكين إدارة الخلاف بدلا من تركه ينزلق إلى مواجهة مفتوحة، وأعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت تمديد الهدنة التجارية حتى 10 يناير 2027، بما يمنح الطرفين مساحة زمنية إضافية للتفاوض على الملفات الاقتصادية الأكثر تعقيدًا.

هذه الهدنة لا تعني نهاية المنافسة، العكس هو الأقرب إلى الواقع، الولايات المتحدة والصين انتقلتا من مرحلة الحرب التجارية المفتوحة إلى مرحلة أكثر تعقيدا: منافسة تحت سقف عدم الانفجار، واشنطن تريد حماية تفوقها التكنولوجي وتوسيع نفوذها في سلاسل الإمداد، بينما تسعى بكين إلى تأمين قدرتها على الوصول إلى الأسواق والتكنولوجيا، وتعزيز موقعها في الاقتصاد العالمي بعيدا عن نقاط الاختناق التي تستطيع الولايات المتحدة استخدامها ضدها.

وهنا تظهر أهمية الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد أهم ميادين الصراع الجديد، لم تعد المنافسة الدولية تدور فقط حول حجم الناتج المحلي أو عدد المصانع أو حجم التجارة، وإنما حول من يمتلك القدرة على إنتاج المعرفة وتطبيقها وتحويلها إلى قوة اقتصادية وعسكرية واستراتيجية، ولذلك أصبحت الرقائق المتقدمة، ومراكز البيانات، والنماذج الذكية، والبنية التحتية الرقمية، والمعادن النادرة، جزءا من مفهوم الأمن القومي لدى الدول الكبرى وتشير التحليلات الأخيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي سيكون في قلب الحوار الأمريكي الصيني، بالتوازي مع محاولة البلدين إيجاد آليات محدودة لإدارة المخاطر المرتبطة بهذه التكنولوجيا.

لكن الاقتصاد لا ينفصل عن الجغرافيا السياسية، إيران والطاقة ومضيق هرمز ستكون حاضرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في حسابات القمة، الصين من أكبر مشتري النفط الإيراني، بينما تحاول الولايات المتحدة الضغط اقتصاديا وسياسيا على طهران، ولذلك يصبح الموقف الصيني من الحرب الإيرانية ومن أمن طرق الملاحة والطاقة جزءا من التفاوض الأوسع بين واشنطن وبكين، وهنا تحديدا تتضح صعوبة المهمة الأمريكية.

واشنطن تريد من بكين استخدام نفوذها الاقتصادي لدى إيران، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل أن الصين تنظر إلى أمن الطاقة باعتباره مصلحة استراتيجية مباشرة، وأن علاقتها بطهران ليست مجرد ملف سياسي يمكن فصله عن حسابات الاقتصاد والتجارة، ومن ثم فإن أي تفاهم أمريكي صيني حول الشرق الأوسط لن يكون منفصلا عن صفقة المصالح الأوسع بين القوتين.

أما تايوان فتظل الملف الأكثر حساسية في العلاقة الثنائية، حتى عندما تتصدر التجارة والعقوبات والذكاء الاصطناعي المشهد، بكين تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها، بينما ترتبط واشنطن بالتزامات قانونية وسياسية تجاه دعم قدرة تايوان على الدفاع عن نفسها، ولذلك فإن إدارة هذا الملف ستكون اختبارا حقيقيا لقدرة الطرفين على إبقاء التنافس داخل حدود يمكن السيطرة عليها، وفي خلفية المشهد كله تتحرك مسألة أوسع: من يضع قواعد الاقتصاد العالمي في المرحلة المقبلة؟

الصراع الأمريكي الصيني لم يعد مجرد خلاف حول صادرات وواردات، إنه تنافس على التكنولوجيا، والمعايير، وسلاسل الإمداد، والمعادن الاستراتيجية، والأسواق، والتمويل، وموقع كل قوة في الاقتصاد العالمي، الصين تريد توسيع هامش الحركة أمامها وأمام الدول النامية، بينما تعمل الولايات المتحدة على حماية مركزها التكنولوجي والمالي والاستراتيجي، حتى ملف جرينلاند يعكس اتساع مفهوم التنافس الجيوسياسي، وقد وقعت الولايات المتحدة والدنمارك وجرينلاند في 22 سبتمبر اتفاقا بشأن المصالح الأمنية الأمريكية طويلة الأمد في الجزيرة، يتضمن حقوق تمركز عسكريا وقيودا على وجود منافسين أو استثمارات حساسة فيها، وهذا يوضح أن واشنطن تنظر إلى المجال القطبي باعتباره جزءا من معادلة الأمن والمنافسة الدولية، وليس مجرد مساحة جغرافية بعيدة، ومن هنا يمكن فهم شعار «شريكان لا خصمان» بصورة أكثر واقعية: الشراكة التي يتحدث عنها الطرفان ليست شراكة تنهي التنافس، وإنما صيغة لإدارته، كلاهما يعرف أن فك الارتباط الكامل بين الاقتصادين ستكون له تكلفة هائلة، وأن العودة إلى حرب تجارية شاملة ستصيب الأسواق وسلاسل الإمداد والشركات والمستهلكين في البلدين، فضلا عن الاقتصاد العالمي كله.

لهذا تبدو واشنطن وبكين أمام معادلة دقيقة: التعاون حيث تفرض المصالح المشتركة ذلك، والمنافسة حيث تتعارض المصالح، ومنع المنافسة من التحول إلى صدام مفتوح، هذه هي هدنة الكبار الحقيقية، ليست هدنة بين دولتين توقفتا عن الصراع، وإنما بين قوتين تعرفان أن الصراع بينهما، إذا خرج عن السيطرة، لن يبقى أمريكيا صينيا فقط، بل يمكن أن يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي بأكمله.

والسؤال الذي تطرحه قمة واشنطن ليس: من انتصر على الآخر؟ وإنما: هل تستطيع القوتان إدارة تنافسهما من دون أن تدفع بقية دول العالم ثمنه؟

العالم الذي يدخل هذه القمة ليس هو العالم الذي خرج من الحرب التجارية السابقة، إنه عالم تتراجع فيه الحدود بين الاقتصاد والأمن، وبين التكنولوجيا والسياسة، وبين الطاقة والنفوذ، وفي هذا العالم، ستظل واشنطن وبكين تتنافسان على القمة، لكنهما مضطرتان في الوقت نفسه إلى إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة، لأن كلفة القطيعة أكبر من قدرة أي منهما على تحملها منفردة.

تم نسخ الرابط