استقبال رسمي، عرض عسكري، طائرات، جولة في مروحية الرئاسة “Marine One”، مأدبة عشاء رسمية، هدايا تذكارية، وزيارة إلى الأرشيف الوطني..
كانت هذه أبرز محطات الزيارة التاريخية للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة، و الأولى له إلى البيت الأبيض منذ أكثر من عشر سنوات. زيارة حرص خلالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إظهار المراسم والبروتوكول إلى أقصى درجة، بينما لم يصاحب هذا الاستعراض إعلان عن اختراقات كبيرة في الملفات السياسية والاقتصادية الأكثر تعقيدًا بين البلدين..
زيارة يمكن قراءة عنوانها الأبرز في إطار إعادة توزيع النفوذ وموارد القوة في العالم، أو كما عبرت وكالة “أسوشيتد برس” في قراءتها للزيارة: شي لم يأتِ إلى واشنطن لأن الخلاف انتهى، وإنما لأن إدارة الخلاف أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة العلاقة بين أكبر قوتين عالميتين.
ويفسر محللون هذا التحول بأن سياسة العقوبات والرسوم والضغوط الاقتصادية أثبتت أن لها حدودًا، وأن واشنطن باتت في حاجة إلى مسار آخر يقوم على التفاوض وإدارة المصالح المتبادلة، خاصة مع تنامي اعتماد العالم على الصين في سلاسل التصنيع والتوريد، وفي مقدمتها المعادن النادرة والتكنولوجيا.
أما ملف الطاقة، وهو الملف الأكثر اتصالًا بالمنطقة العربية و بما يجري في الشرق الأوسط، فلم يكن بعيدًا عن حسابات قمة واشنطن.
فبينما كان ترامب يستقبل شي، كانت خريطة الطاقة في الشرق الأوسط تعيد رسم نفسها تحت ضغط الحرب…الهجمات الحوثية على السعودية والتهديدات التي تطال منشآت النفط وممرات الملاحة تجعل أمن الطاقة جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الدولي.
وهنا تظهر الصين كطرف لا يمكن تجاهل دوره. فهي أكبر مستورد للطاقة في العالم، ولديها علاقات نفطية عميقة مع إيران ودول الخليج، كما راكمت خلال السنوات الماضية احتياطات استراتيجية ضخمة من النفط. ولذلك تصبح قدرة بكين على التأثير في طهران، أو على الأقل المساهمة في تهدئة مسارات التصعيد، ورقة مهمة في أي حساب أمريكي لمستقبل الأزمة.
وتوقيت الزيارة وتفاصيلها يعكسان أن العلاقة بين واشنطن وبكين انتقلت من مرحلة التصعيد المفتوح إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها تنافس استراتيجي، وتفاوض اقتصادي، وتعاون محدود في بعض الملفات، يقابله ردع متبادل في ملفات أخرى.
واللافت أن القمة لم تعلن حسم الملفات الأصعب، ولم تقدم اختراقًا كبيرًا في قضايا التجارة أو تايوان أو التكنولوجيا أو الحرب في الشرق الأوسط، لكنها أكدت في المقابل حقيقة أكثر أهمية: أن واشنطن وبكين لا تستطيعان إدارة النظام الدولي الجديد من دون إبقاء قنوات الاتصال بينهما مفتوحة.
وفي النهاية، ربما لا تكون أهمية زيارة شي إلى واشنطن فيما تم الاتفاق عليه فقط، وإنما فيما تكشفه الزيارة عن شكل العالم الذي يتبلور أمامنا..
عالم لم تعد فيه قوة واحدة تنفرد بإدارة القرارات، وإنما عالم تتقاطع فيه مراكز القوة، وتتوزع فيه أوراق النفوذ بين الولايات المتحدة والصين وروسيا والقوى الإقليمية، وتصبح فيه الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والممرات البحرية أدوات رئيسية في رسم موازين القوة الجديدة.
نحن ببساطة أمام عالم يتجه بصورة متزايدة نحو التعددية القطبية، وتصبح فيه إدارة الخلاف بين القوى الكبرى ضرورة، وليس خيارًا.