تسيطر على المشهد السياسي والاجتماعي ظاهرة يعلمها الجميع؛ ظاهرة "الزيت والسكر والكرتونة".
وهذا ليس جديداً على الشارع المصري، فالجميع يذكر كيف كانت هذه الآلية حاضرة وبقوة في انتخابات ما قبل 2011، وكان استغلال حاجة الناس سبباً رئيسياً في احتقان سياسي وأزمة ثقة عصفتا بالحياة الحزبية وقتها.
لكن الخطير اليوم ليس فقط إعادة استدعاء هذه الآلية القديمة، بل تمددها الشديد حتى أصبحت هي الاستراتيجية الوحيدة والسائدة!
وهنا يبرز التساؤل المباشر والخطير الذي ينبغي أن نتوقف عنده بشجاعة:
هل تعني عودة حزب الأغلبية والكيانات السياسية لممارسة نفس آليات وأدوات ما قبل 2011 أننا نُعيد إنتاج نفس الأزمة؟
وهل نقلّب صفحات الماضي بنفس الأدوات والأساليب لمجرد أن الأسماء والمسميات تغيرت؟
إن الإصرار على استخدام نفس المنهج القديم الذي أثبت التاريخ فشله في بناء استقرار سياسي حقيقي، هو مجرد اندفاع نحو نفس خطورة الماضي، وكأننا لم نتعلم من الدرس!
أصبحنا نرى الكيانات الكبرى تتنافس في "فلسفة الخدمة المباشرة" كبديل عن العمل السياسي الحقيقي.
وكأن المفهوم المعتمد لبناء الإنسان المصري تلخص في: سد جوعه، وتزويج العرايس، وتوزيع المساعدات، وترميم مقاعد المدارس عقب كل أزمة!
نسينا — أو تناسينا عن عمد — إن بناء الإنسان أصله وعي، وثقافة، وفكر نقدي، وتمكين حقيقي.
الفخ الأكبر: كارتونة اليوم.. مقابل تشريع الغد!
وهنا نصل إلى النقطة الأكثر خطورة وتناقضاً في هذا المشهد.
فكما أشار السياسي البارز الدكتور باسل عادل في حديثه الأخير بكل صراحة: "لا يستقيم أبداً أن أمنحك كارتونة اليوم، ثم أوافق تحت قبة البرلمان على تشريع ضد مصلحتك غداً"
هذه هي المعادلة الصعبة وغير العادلة التي تُفرض على المواطن:
تُستخدم "الخدمة العاجلة والكرتونة" كمسكّن ومخدر مؤقت يغطي على غياب الرؤية السياسية.
في حين إن الدور الأصيل للحزب هو الدفاع عن حقوق المواطن تحت القبة، ومراقبة الحكومة، وصياغة تشريعات واقتصاديات تضمن له حيازة كرامته دون الحاجة لإعانة أو كارتونة من الأساس!
عندما تتحول الأحزاب لـ "جمعيات إغاثة"، فهي تشتري صمت الناس وموالاتهم بالخدمات المباشرة، بدلاً من أن تمكّنهم سياسياً واقتصادياً ليصنعوا قرارهم بوعي.
ترقيع الأزمات بدل إصلاح السياسات
أزماتنا التعليمية والاجتماعية الأخيرة تكشف الفارق الحاد بين "السياسة" و"الخدمات".
فعندما تطفو على السطح أزمة في مدرسة هنا أو قطاع هناك، لا نرى من الكيانات الحزبية تحركاً تحت القبة لمناقشة السياسات أو موازنات القطاعات الخدمية وكرامة القائمين عليها.
بل نرى فوراً سباقاً محموماً للتواجد الخدمي: دهان فصل، صيانة تختة، أو قافلة عاجلة!
نحن لا نرفض الإغاثة ولا نلغي أهمية التكافل الاجتماعي، فهو واجب في ظروفه.
لكن الكارثة تبدأ عندما تتنصل الأحزاب من دورها الأصيل في صناعة الرؤى والأفكار، وتستسهل تقمص دور "الجمعيات الخيرية والمؤسسات الخدمية".
اليوم.. عندما يفتتح حزب سياسي مقراً جديداً، لم يعد السؤال المطروح: "ما هو برنامجنا التثقيفي؟ وكيف نبني وعي الشباب؟"
بل أصبح السؤال الشاغل: "كم مساعدات سنوزع؟ وكم قافلة خدمية سنطلق؟"
والسبب بسيط؛ فالعمل الخدمي المباشر يعطي نتائج عاجلة وحضوراً إعلامياً سريعاً، ويُعفي الكيان السياسي من مشقة الطرح الفكري ومسؤولية تقديم البرامج والحلول الحقيقية.
من يثري الحياة السياسية؟
الحزب السياسي في أي مجتمع محترم هو مدرسة لتأهيل القيادات، ومساحة لنقاش البرامج الاقتصادية، وطرح بدائل حقيقية لحلول مشكلات الوطن.
عندما يتنافس الحزب الكبير مع الجمعية الأهلية في ميدان الكراتين وتزويج العرايس، يبرز السؤال المسكوت عنه: من يثري الحياة السياسية في هذا الوطن؟
من يُعلّم الشاب والفتاة إن السياسة أفكار ورؤى ووعي بحجم التحديات، وليست مجرد سلع وشراء منافع وقتية؟
الرسالة الخطيرة للشباب: "صيانة" مش "بناء"
الرسالة الضمنية التي نرسلها لشبابنا اليوم مرعبة:
تقول لهم إن المؤسسات تهتم بجوع أجسادهم.. لا بغذاء عقولهم.
تقول لهم إن المواطنة هي أن تنتظر الإعانة.. لا أن تبتكر وتتعلم وتشارك.
تقول لهم إن الكيان السياسي الناجح هو الأكثر إنفاقاً للخدمات والأكثر مالاً .. لا الأكثر تفكيراً وبناءً للوعي.
وهذا في جوهره ليس بناء إنسان.. بل مجرد "صيانة إنسان".
صيانة الجسد، وتجويع شامل للعقل!
إحنا محتاجين إيه؟
إحنا محتاجين أحزاب ومؤسسات بتفكر قبل ما توزع..
بتعرف إن الإنسان المصري ليس "تخت مدرسة" ندهنه وخلاص!
الإنسان عقل، وفكر، وطموح، وقدرة على التغيير والمشاركة لو توفرت له البيئة والوعي.
سد الرمق يطعم الجسد ليوم.. أما بناء العقل والوعي بالتشريع والفكر، فهو الوحيد الذي يبني وطناً يقف على قدميه!