من ضمن الجلسات التي حضرتها مؤخرا ضمن برنامج "Newsroom Connect"، الممول من الاتحاد الأوروبي عبر مبادرة EU MedBridge، كانت جلسة بعنوان "Peace Journalism" (صحافة السلام)، وهي واحدة من أكثر الجلسات التي جعلتني أعيد التفكير في مسؤولية الصحفي تجاه الكلمة نفسها، لا الحدث فقط.
من أين بدأت فكرة صحافة السلام؟
يعود مفهوم "صحافة السلام" إلى الباحث النرويجي يوهان غالتونغ، الذي يعتبر الأب المؤسس لحقل أبحاث السلام، وأسس معهد أوسلو الدولي لأبحاث السلام (PRIO) عام 1959، وتطور المفهوم من أبحاث أظهرت أن التغطية الإخبارية للنزاعات غالبا ما تميل بشكل غير واعٍ نحو العنف، وقدم غالتونغ أدوات عملية لتصحيح هذا الانحياز، من خلال العمل مع الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، السائدة منها والبديلة.
الفضاء الإعلامي العالمي: الحرب أمام الكاميرا
من أبرز الأفكار التي ناقشتها الجلسة أن الحرب التي تُخاض أمام كاميرات البث المباشر لم تعد مجرد حدث عسكري، بل تتحول اعتباراتها السياسية والإعلامية إلى جزء لا يتجزأ من التكتيك والاستراتيجية العسكرية نفسها وبمعنى آخر، طريقة الفوز في الحرب باتت لا تقل أهمية عن الفوز نفسه، لأن الرأي العام أصبح ساحة معركة موازية.
قوة الكلمة: حين تتحول اللغة إلى سلاح
من أكثر الأمثلة التي أثارت قلقا حقيقيا في الجلسة، استعراض تصريح علني حقيقي دعا فيه أحد الأشخاص إلى تنفيذ عمليات استهداف جماعية يوميا في غزة، مستخدما لغة تنزع الصفة الإنسانية بالكامل عن سكان المنطقة واستُخدم هذا المثال لتوضيح كيف أن خطاب "نحن مقابل هم" في الإعلام لا يعكس الواقع فقط، بل يمكن أن يمهّد الطريق لتبرير العنف، لأن نزع الإنسانية عن أي مجموعة هو غالبا الخطوة الأولى قبل ارتكاب انتهاكات ضدها.
وامتد النقاش إلى مثال آخر موثق: مذكرة داخلية مسربة من صحيفة نيويورك تايمز، كشفتها منصة The Intercept عام 2024، وجّهت الصحفيين لتقييد استخدام مصطلحات مثل "الإبادة الجماعية" و"التطهير العرقي"، وتجنّب وصف الأراضي الفلسطينية بـ"المحتلة"، رغم أن الأمم المتحدة نفسها تصنف غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية كأراضٍ محتلة وهذا المثال أثار نقاشا حول كيف يمكن لقرارات تحريرية "محايدة" في الشكل أن تشكّل انحيازا فعليا في المضمون.
فيلم "No Other Land": حين تلتقي الشجاعة الصحفية من الطرفين
وجاء في الجلسة مثال إيجابي على ما يمكن أن تكون عليه الصحافة الشجاعة: فيلم "No Other Land” (2024)، وهو عمل وثائقي مشترك بين فريق عمل فلسطيني وإسرائيلي، يوثق تدمير قرى مسافر يطا في الضفة الغربية المحتلة على يد قوات الاحتلال، من خلال تحالف إنساني نادر بين الناشط الفلسطيني باسل عدرة والصحفي الإسرائيلي يوفال أبراهام وفاز الفيلم بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي عام 2025، وعُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي عام 2024.