عاصفة انتخابية تهز ألمانيا.. صعود المتطرفين يهدد مستقبل ميرتس
يواجه النظام السياسي الألماني اختبارًا جديدًا مع تنامي نفوذ القوى السياسية على طرفي الطيف، في أعقاب سلسلة من النتائج الانتخابية التي كشفت، بحسب تحليل نشرته صحيفة «لو فيجارو» الفرنسية، عن نقاط ضعف متراكمة في النموذج السياسي الذي تشكل في ألمانيا خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وجاءت هذه التطورات بعد ما وصفه التقرير بـ«الزلزال» الانتخابي الذي شهدته ولاية ساكسونيا-أنهالت في السادس من سبتمبر، قبل أن تظهر «الهزات الارتدادية» الأحد في كل من مكلنبورغ-فوربومرن وبرلين، مع تسجيل مكاسب لقوى سياسية خارج مركز النظام الحزبي التقليدي.
وفي شفيرين، عاصمة ولاية مكلنبورغ-فوربومرن، أخفق الاتحاد الديمقراطي المسيحي، للمرة الأولى منذ عام 1949، في الحصول على مقعد في البرلمان المحلي بعدما لم يتمكن من تجاوز عتبة الـ5% المطلوبة لدخول البرلمان، في وقت حقق فيه حزب البديل من أجل ألمانيا مكاسب انتخابية كبيرة.
وفي برلين، عزز حزب «دي لينكه» (اليسار) موقعه السياسي بعدما حقق مكاسب في الانتخابات، في تطور يعتبره تقرير «لو فيغارو» مؤشرًا على اتساع نفوذ الأحزاب التي كانت، لفترة طويلة، خارج مركز النظام السياسي الألماني التقليدي.
ويرى التقرير أن صعود حزب البديل من أجل ألمانيا وحزب اليسار، ولا سيما في الولايات الشرقية السابقة، يضيف مزيدًا من التعقيد إلى عملية تشكيل الحكومات على المستوى الاتحادي، بالتزامن مع تراجع قدرة الأحزاب التقليدية، وفي مقدمتها الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، على استقطاب قطاعات واسعة من الناخبين.
صعود القوى السياسية في شرق ألمانيا
ويضع هذا المشهد المستشار الألماني فريدريتش ميرتس أمام خيارات سياسية صعبة، بعد النتائج الانتخابية الأخيرة، إلا أن استقالته، بحسب التقرير، لن تكون كافية لإعادة الاستقرار إلى المشهد السياسي.
واختار ميرتس البقاء في منصبه والدفاع عن أجندته الإصلاحية، في وقت أصبحت فيه قدرة الائتلاف الذي يجمع الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي على مواصلة العمل تحت ضغط النتائج الانتخابية موضع اختبار.
كما أن الدعوة إلى إجراء انتخابات جديدة قد لا تؤدي بالضرورة إلى إعادة رسم الخريطة السياسية لمصلحة الأحزاب التقليدية، إذ يرى التقرير أن مثل هذه الخطوة قد تعزز مكاسب حزب البديل من أجل ألمانيا وحزب اليسار بدلًا من الحد من نفوذهما.
ويربط تحليل «لو فيغارو» صعود هذه القوى، خصوصًا في الولايات الشرقية، بالتداعيات الاجتماعية والاقتصادية التي رافقت إعادة توحيد ألمانيا.
فبعد الوحدة الألمانية، غادر نحو مليون ألماني شرقي مناطقهم إلى الولايات الغربية بحثًا عن فرص العمل، في حين واجه الاقتصاد في شرق البلاد صدمة الانتقال من النظام الاقتصادي السابق إلى اقتصاد السوق، وما رافق ذلك من تراجع واسع في قطاعات صناعية كانت تمثل جزءًا مهمًا من النشاط الاقتصادي.
وبحسب التقرير، استفادت قوى سياسية من حالة الإحباط الاجتماعي التي نشأت خلال تلك المرحلة، قبل أن تتعمق لاحقًا مع انتقال شرائح من النخب المتعلمة في ألمانيا الغربية إلى الولايات الشرقية لتولي وظائف تتطلب مهارات عالية.
ويرى التحليل أن هذه التحولات ساهمت في خلق شعور لدى قطاعات من سكان شرق ألمانيا بأنهم يعانون من اختلالات مستمرة في توزيع الفرص والمكانة، وهو ما وفر بيئة سياسية واجتماعية ساعدت القوى الجديدة على توسيع حضورها.
الهجرة والهوية في صعود اليمين
ويشير التقرير كذلك إلى أن موجة الهجرة التي شهدتها ألمانيا عام 2015 شكلت عاملًا إضافيًا في تصاعد النقاش السياسي بشأن الهجرة والهوية.
ويأتي ذلك رغم أن الولايات الشرقية تضم نسبة أقل من المهاجرين مقارنة بالولايات الغربية، إذ يستشهد الكاتب بولاية ساكسونيا-أنهالت، مشيرًا إلى أن نحو طبيب واحد من كل ثلاثة أطباء فيها من أصول أجنبية.
ويربط التحليل بين استمرار النقاش حول الهجرة وتراجع الثقة بالأحزاب التقليدية، وبين المساحة السياسية التي تمكن حزب البديل من أجل ألمانيا من شغلها، خصوصًا في المناطق التي كانت تشهد أصلًا حالة من عدم الرضا عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أعقبت الوحدة.
كيف أعادت حقبة ميركل تشكيل المشهد؟
ويرى تقرير «لو فيجارو» أن النظام الحزبي الألماني شهد تحولًا كبيرًا على مدى العقدين الماضيين، إذ انتقل من مشهد كانت تهيمن عليه ثلاثة أحزاب رئيسية إلى نظام يضم ستة أحزاب رئيسية، بعد صعود حزب الخضر وحزب اليسار وحزب البديل من أجل ألمانيا، إلى جانب الأحزاب التقليدية.
وأدى هذا التنوع الحزبي إلى جعل تشكيل الحكومات أكثر تعقيدًا، مع زيادة الحاجة إلى ائتلافات واسعة تضم أحزابًا متعددة لضمان أغلبية برلمانية.
ومنذ تولي أنجيلا ميركل منصب المستشارة عام 2005، شهدت ألمانيا أربع حكومات ائتلافية كبرى جمعت الاتحاد الديمقراطي المسيحي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، كانت ثلاث منها برئاسة ميركل.
وينتقد التقرير ما يصفه بسياسة «الإجماع» التي اتبعتها ميركل خلال فترة حكمها، معتبرًا أنها دفعت الاتحاد الديمقراطي المسيحي باتجاه وسط الطيف السياسي، وأسهمت في إضعاف الفوارق التقليدية بين اليمين واليسار.
ويستشهد التقرير بمجموعة من السياسات التي اعتبرها انعكاسًا لهذا التوجه، من بينها التخلي عن التجنيد الإلزامي، والتراجع عن قرار تمديد تشغيل المحطات النووية عقب كارثة فوكوشيما، إضافة إلى الاعتماد المتزايد على الغاز الروسي خلال عهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
لكن التقرير يعتبر أن سياسة ميركل بشأن الهجرة عام 2015 كانت الأكثر تأثيرًا في تعميق الانقسامات داخل الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وفي توفير مساحة سياسية لحزب البديل من أجل ألمانيا.
وبحسب التحليل، فإن انتقال الاتحاد الديمقراطي المسيحي نحو الوسط، بالتوازي مع تراجع الثقة بالأحزاب التقليدية وتزايد تعقيد النظام الحزبي، أسهما في إعادة تشكيل الخريطة السياسية الألمانية.
ومع تنامي حضور حزب البديل من أجل ألمانيا وحزب اليسار، خصوصًا في الولايات الشرقية، يرى التقرير أن النظام السياسي الألماني يواجه اختبارًا طويل الأمد يتعلق بقدرته على إدارة مشهد حزبي أكثر انقسامًا وتنوعًا، والحفاظ على قدرة الأحزاب التقليدية على تشكيل حكومات مستقرة في ظل تغير أنماط التصويت وتراجع هيمنة القوى السياسية التي شكلت مركز النظام الألماني لعقود.