عاجل

هناك سؤال يجب أن يُقال بصوت مرتفع، حتى لو أزعج بعض الذين اعتادوا أن تمر مواسم الدراما بلا أسئلة حقيقية: من يكتب الدراما التي تستحق أن تبقى؟ ليس السؤال عن عدد المسلسلات التي تنتجها الصناعة، ولا عن حجم ميزانياتها، ولا عن أسماء النجوم الذين تتصدر صورهم الإعلانات، وإنما عن شيء أكثر أهمية: ماذا سيبقى من كل هذا بعد أن تهدأ الضجة، وتنتهي الإعلانات، وتختفي المقاطع المتداولة، ويتوقف الجمهور عن كتابة التعليقات اليومية؟ ماذا سيبقى في ذاكرة الناس؟

لقد أصبحت صناعة الدراما المصرية أمام مفترق حقيقي. هناك إنتاج كثير، ونجوم كبار، ومواسم متعددة، ومنصات جديدة فتحت أبوابًا واسعة أمام الكتاب والمخرجين والممثلين، لكن الوفرة لا تعني بالضرورة الثروة الفنية. يمكن أن تمتلئ الشاشات بالأعمال وتظل الذاكرة خالية من عمل واحد قادر على البقاء. ويمكن لمسلسل أن يحتل الحديث أيامًا، ثم لا يجد أحد سببًا للعودة إليه بعد عام أو عامين. وهذه ليست إدانة لعمل بعينه، وإنما سؤال مشروع عن صناعة يفترض أن تنتج ذاكرة، لا مجرد استهلاك يومي.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الدراما من صناعة الحكاية إلى صناعة اللحظة. يصبح المشهد مصممًا ليكون مقطعًا على مواقع التواصل، والجملة مكتوبة لكي تتحول إلى «ترند»، والشخصية قابلة للاختزال في جملة أو موقف، وكأن نجاح المسلسل أصبح يقاس بقدرته على إنتاج محتوى خارج المسلسل أكثر من قدرته على بناء عالم داخله. وهنا يصبح السؤال مؤلمًا: هل نكتب للمشاهد الذي يجلس أمام الشاشة، أم نكتب للخوارزمية التي تقرر ماذا سيرى الناس على هواتفهم؟

الترند ليس عدوًا للفن، لكنه ليس معيارًا للفن. والمشكلة ليست في أن ينتشر مشهد أو ينجح حوار، بل في أن يصبح الانتشار هو الهدف من البداية. لأن العمل الذي يولد من أجل المقطع القصير قد ينجح في المقطع، لكنه يفشل في الحكاية الطويلة. والدراما في جوهرها ليست مجموعة لحظات منفصلة، وإنما بناء كامل: شخصيات تتطور، صراعات تتراكم، قرارات لها نتائج، ونهاية يشعر المشاهد عندها أن الرحلة كانت تستحق أن تُروى.

والأخطر أن بعض الكتابة بدأت تتعامل مع الجمهور وكأنه لا يريد سوى الإثارة. كلما أردنا رفع الإيقاع، زدنا الصراخ. وكلما أردنا صناعة صراع، جعلنا الشخصيات أكثر تطرفًا. وكلما أردنا جذب المشاهد، دفعنا الحكاية نحو مفاجأة جديدة. حتى أصبح الهدوء في بعض الأعمال يبدو ضعفًا، والتأمل بطئًا، والشخصية المركبة عبئًا على الإيقاع، بينما الحقيقة أن الإنسان نفسه ليس «ترندًا». الإنسان متناقض، ضعيف وقوي، كريم وأناني، شجاع وخائف، يحب ويكره الشخص نفسه أحيانًا. وهذه المنطقة الرمادية هي التي تصنع الشخصيات التي تعيش.

نحن في حاجة إلى أن نتذكر أن الكاتب ليس موظفًا عند الإيقاع السريع. الكاتب صاحب رؤية، وإذا فقدت الدراما الكاتب الذي يرى ما وراء الحدث، فلن تنقذها ميزانية ضخمة ولا نجومية كبيرة. الحوار ليس مجرد جمل رنانة، والشخصية ليست مجرد مهنة وملابس وشكل، والقصة ليست سلسلة من المفاجآت. هناك شيء اسمه منطق الشخصية، وصدق الدافع، وضرورة المشهد، وحق المشاهد في أن يشعر أن ما يراه يمكن أن يحدث بالفعل، حتى لو كانت الحكاية خيالية.

ثم أين ذهبت التفاصيل المصرية التي كانت تجعل الدراما مرآة حقيقية للناس؟ أين الأسرة بكل تعقيداتها، والشارع بكل طبقاته، والموظف الذي يعود إلى بيته محملًا بما لم يستطع قوله في العمل، والأم التي تخفي قلقها خلف تفاصيل يومية، والأب الذي يحاول أن يبدو قويًا بينما يخاف على أبنائه، والشاب الذي يقف بين حلم أكبر من إمكاناته وواقع لا يرحمه؟ لماذا لا نرى الإنسان العادي بما يكفي؟ لماذا نحتاج دائمًا إلى شخصية استثنائية كي تبدأ الحكاية؟

ليس المطلوب أن تعود الدراما إلى الماضي، ولا أن تكرر قوالب قديمة بدعوى الحنين. المطلوب أن تتقدم إلى المستقبل وهي تحمل معها جوهرًا مصريًا حقيقيًا. التكنولوجيا تغيرت، والمنصات تغيرت، وطريقة المشاهدة تغيرت، لكن الإنسان لم يتغير بالقدر الذي يجعلنا نتخلى عن الحكاية. ما زال يحب ويخاف ويحلم ويخسر ويكذب ويندم ويحاول من جديد. وهذه هي المادة التي لا تنتهي صلاحيتها.

وهنا لا يجوز أن نضع كل المسؤولية فوق رأس الكاتب. المنتج الذي يبحث عن المعادلة المضمونة، والمخرج الذي يطارد الشكل على حساب المضمون، والنجم الذي تفرض نجوميته مساحة الشخصية، والمنصة التي تنظر إلى الأرقام، والمنظومة التسويقية التي تختصر العمل في مشهد قابل للانتشار، جميعهم شركاء في صناعة المنتج النهائي. الدراما ليست ورقة يكتبها مؤلف ثم ينسحب الجميع منها، وإنما صناعة جماعية، وأي خلل في أحد أطرافها يمكن أن يظهر على الشاشة.

لكن الصناعة تحتاج أيضًا إلى شجاعة في الاختيار. ليس كل نص يصلح لأن يتحول إلى مسلسل، وليس كل فكرة تحتاج ثلاثين حلقة، وليس كل نجاح سابق دليلًا على صلاحية تكراره. أحيانًا تكون المشكلة أن الحكاية انتهت، لكن الحلقة لم تنته، فيبدأ الحشو، وتتمدد الشخصيات، وتتكرر الصراعات، ويشعر المشاهد أن الكاتب يحاول الوصول إلى النهاية أكثر مما يحاول أن يحكيها.

نحن لا نحتاج إلى دراما تتعمد الاستفزاز كي تثبت أنها جريئة، ولا إلى دراما تتجمل حتى تفقد ملامح الواقع. نحتاج إلى جرأة أعمق: جرأة الكتابة الجيدة. أن تكتب شخصية ليست ملاكًا ولا شيطانًا. أن تطرح سؤالًا لا تملك له إجابة جاهزة. أن تجعل الشرير مفهومًا دون أن تبرر شره، وأن تجعل البطل إنسانًا لا تمثالًا، وأن تترك للمشاهد مساحة كي يفكر بدلًا من أن تشرح له كل شيء.

والدراما التي تستحق أن تبقى لن تحتاج بعد سنوات إلى حملة إعلانية كي تعيد تقديم نفسها. سيعيدها الناس من تلقاء أنفسهم. سيبحثون عن حلقاتها، ويتذكرون شخصياتها، ويقتبسون حواراتها، ويتناقشون حول نهايتها، لأن العمل الحقيقي لا يعيش في أرشيف القنوات فقط، وإنما يعيش في ذاكرة الجمهور.

لذلك فإن السؤال لم يعد: كم مسلسلًا سننتج؟ ولا كم نجمًا سنجمع؟ ولا كم مليون مشاهدة سنحقق؟ السؤال الذي ينبغي أن يشغل الصناعة هو: ماذا نريد أن نترك وراءنا؟ لأن الموسم ينتهي، والمنصة تتغير، والخوارزمية تنسى، والترند يموت، لكن الحكاية الصادقة تستطيع أن تعيش عقودًا.

ومن يكتب الدراما التي تستحق أن تبقى؟ يكتبها من يعرف أن المشاهد ليس رقمًا، وأن النجم ليس الحكاية كلها، وأن الشاشة ليست سوقًا فقط، وأن الكاتب لا يبيع دقائق من وقت الناس، وإنما يشارك في تشكيل ذاكرتهم. يكتبها من يفهم أن مصر ليست مجرد خلفية للأحداث، وإنما بشر وشوارع وبيوت وقلوب وتناقضات وحكايات لا تنتهي. ويكتبها من يملك شجاعة أن يقول للصناعة كلها: لسنا بحاجة إلى مزيد من الضجيج، نحن بحاجة إلى حكاية إذا انتهت الحلقة الأخيرة منها، ظل سؤالها حيًا في رأس المشاهد.

عندها فقط يمكن أن نقول إن الدراما لم تكن موسمًا مرّ أمام أعيننا، وإنما كانت أثرًا تركته الحكاية فينا.

تم نسخ الرابط