هناك أماكن تدخلها لأنك تعاني من آلام المرض، وهناك أماكن تدخلها لأنك تحتاج إلى أن تطمئن. وبين الاثنين مساحة كبيرة من المشاعر لا تستطيع الأجهزة الطبية وحدها أن تملأها. مستشفى بهية واحدة من الأماكن التي أدركت مبكرًا أن المرأة التي تواجه سرطان الثدي لا تحتاج فقط إلى طبيب ودواء وفحص وعلاج، لكنها تحتاج قبل كل شيء إلى أن تشعر بأنها ليست وحدها.
ولهذا تبدو «بهية» بالنسبة لكثير من السيدات أكثر من مستشفى. هي مصدر اطمئنان وسند في لحظة خوف، ومساحة تستعيد فيها المرأة شيئًا من قوتها وثقتها بنفسها وبالحياة. والأهم أنها تبني علاقة خاصة مع السيدات تقوم على الثقة والاحترام والشعور بالأمان، وهي مشاعر شديدة الأهمية عندما يتعلق الأمر بصحة أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا.
بدأت مؤسسة بهية عام 2015، من خلال مستشفى الهرم، بهدف تقديم خدمات الكشف المبكر وعلاج سرطان الثدي للنساء في مصر، خصوصًا غير القادرات على تحمل أعباء العلاج. ومع الوقت تحول الحلم إلى مؤسسة تقدم خدمات طبية ونفسية وتوعوية متخصصة، ثم توسعت التجربة بافتتاح المرحلة الأولى من مستشفى الشيخ زايد عام 2023، تلتها المرحلة الثانية عام 2024.
لكن تاريخ بهية لا يُقاس فقط بالسنوات أو المباني والأجهزة، وإنما بعدد السيدات اللاتي دخلن أبوابها وهن يحملن الخوف، ثم وجدن من يستمع إليهن ويشرح لهن ويطمئنهن ويمسك بأيديهن في رحلة العلاج.
وهنا تأتي قيمة بناء الثقة. فالمرأة التي تواجه احتمال الإصابة بالمرض تحتاج إلى مكان تثق فيه، وإلى فريق تشعر أمامه أنها ليست مجرد رقم في ملف أو حالة طبية، وإنما إنسانة لها مشاعرها وأسئلتها ومخاوفها وخصوصيتها. وعندما تتوافر هذه الثقة يصبح الكشف أسهل، والسؤال ممكنًا، وطلب المساعدة خطوة طبيعية بدلًا من أن يكون مصدرًا للخوف.
ومن هنا يصبح بناء الوعي جزءًا أساسيًا من رسالة بهية. فالمعرفة تساعد المرأة على فهم جسدها، ومعرفة أهمية الكشف المبكر وعدم تأجيل الفحص. والوعي الصحي ليس معلومة عابرة، وإنما ثقافة تحمي الإنسان طوال حياته، وكل أم تعلم ابنتها أن الاهتمام بصحتها مسؤولية، تضيف خطوة جديدة إلى مجتمع أكثر وعيًا وأمانًا.
والجميل في تجربة بهية أنها لا تفصل بين العلاج والإنسان. فهناك الدعم النفسي والاجتماعي والاهتمام بالمشاعر، ومساحة تشعر فيها المرأة بأنها محاطة بمن يفهمون طبيعة الرحلة التي تمر بها. وهذا النوع من الرعاية يمنحها قوة تحتاج إليها بقدر حاجتها إلى الدواء.
أما التطوع، فهو حكاية أخرى من حكايات بهية. فالإنسان عندما يمنح جزءًا من وقته وجهده من أجل إنسان آخر، لا يقدم خدمة فقط، وإنما يشارك في صناعة الأمان. الطبيب يقدم علمه، والمتطوع يقدم وقته، والمتبرع يقدم من ماله، والأسرة تقدم الدعم، والمجتمع كله يشارك في حماية نسائه.
وهنا واحدة من أجمل رسائل بهية: الوقت في صحة الإنسان استثمار حقيقي في الحياة. فالوقت الذي يخصصه طبيب لمريضة، أو متطوع لسيدة تحتاج إلى من يسمعها، أو أسرة لمتابعة أم أو أخت أو ابنة، ليس وقتًا ضائعًا، وإنما وقت يصنع فارقًا في حياة كاملة.
ولهذا يمكن أن نرى بهية باعتبارها جزءًا من مشروع دولة تحنو على بناتها؛ دولة ومجتمعًا ومؤسسات وأفرادًا يتكاملون من أجل أن تحصل المرأة المصرية على حقها في الرعاية والمعرفة والعلاج والشعور بالأمان.
فالاهتمام بصحة المرأة ليس قضية طبية فقط. المرأة هي الأم والأخت والابنة والزوجة، وهي في قلب الأسرة المصرية. وحين نحافظ على صحتها فإننا لا نحمي فردًا واحدًا، وإنما نحمي أسرة كاملة، ونمنح أبناءها وأهلها مساحة أكبر من الطمأنينة والاستقرار.
بهية المصرية العزيزة.
ليست فقط اسم مؤسسة، وإنما معنى لامرأة مصرية تستحق أن تجد من يقف إلى جوارها عندما تخاف، ومن يشرح لها عندما لا تعرف، ومن يطمئنها عندما تقلق، ومن يمنحها الأمل عندما يبدو الطريق طويلًا.
ومواجهة المرض لا تبدأ دائمًا داخل غرفة العمليات. قد تبدأ بكلمة توعية، أو موعد كشف مبكر، أو طبيب يمنح المريضة وقته وعلمه، أو متطوع يقرر أن يكون إلى جوارها، أو ابنة تصر على أن تذهب بأمها إلى الفحص، أو أخ يساند أخته.
هذه هي بهية البهية.
مكان للطب، لكنه أيضًا مكان للثقة. مكان للعلاج، لكنه كذلك مساحة للوعي والسند. ومكان تتعلم فيه المرأة أن طلب المساعدة ليس ضعفًا، وأن الاهتمام بصحتها ليس رفاهية، وأنها ليست وحدها في مواجهة المرض.
وربما تكون قيمة تجربة بهية أنها جعلت من مكافحة سرطان الثدي مساحة للمعرفة والثقة والمشاركة والمساندة، وأعادت التأكيد على معنى بسيط وعميق: أن الإنسان عندما يشعر بالأمان يصبح أكثر قدرة على مواجهة أصعب أيامه.
وفي النهاية، قد يكون أجمل ما يمكن أن تقدمه مؤسسة للمرأة ليس فقط أن تقول لها: نحن نعالجك، وإنما أن تقول لها قبل ذلك وبعده: نحن معكِ.
لأن بعض الكلمات لا تعالج المرض، لكنها تمنح الإنسان القوة التي يحتاجها لكي يبدأ رحلة العلاج.
وهذه هي بهية البهية.