في خضم الأحداث المتسارعة التي تعصف بالمنطقة، وتدفع بها مخططات التصعيد إلى حافة هاوية لا يعلم أحد إلى أين يمكن أن تنتهي، جاء خبر محاولة استهداف مكة المكرمة ليضيف إلى المشهد بعدا بالغ الخطورة والحساسية؛ فحين تمتد نيران الصراع إلى جوار أطهر بقاع الأرض، فإن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد تطور عسكري في سياق نزاع إقليمي، وإنما يصبح مساسا بمقدسات تتعلق بها قلوب أكثر من ملياري مسلم في مشارق الأرض ومغاربها.
إن مكة المكرمة ليست مجرد مدينة، ولا الحرم المكي مجرد مكان للعبادة، وإنما هي قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم، استجابة لدعاء نبي الله إبراهيم عليه السلام: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾. ولذلك فإن مجرد تعريض البلد الحرام للخطر كفيل بأن يهز وجدان الأمة، ويثير القلق على حرمة المكان وأمن قاصديه.
ومن هنا جاءت رسالة الأزهر الشريف واضحة في أعقاب محاولة استهداف مكة المكرمة، حين أكد فضيلة الإمام الأكبر د أحمد الطيب شيخ الأزهر أن أمن الحرمين الشريفين ليس شأنا سياسيا أو إقليميا، وإنما قضية تمس عقيدة الأمة الإسلامية بأسرها، محذرا من أن تتحول مكة المكرمة إلى ساحة للصراع ، والحقيقة أن هذه الرسالة لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها مجرد بيان إدانة لحادث عابر، وإنما باعتبارها تأكيدا على مبدأ راسخ وهو أن المقدسات يجب أن تظل بعيدة عن الصراعات والحسابات السياسية والعسكرية.
وقد وصف بيان الأزهر المساس بحرمة البلد الحرام بأنه استفزاز لمشاعر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وحذر من مغبة توسيع رقعة الصراع لتطال المقدسات الإسلامية ، وهنا تتأكد أهمية الفصل بين الخلافات السياسية والعسكرية من ناحية، وبين حرمة المقدسات من ناحية أخرى. فالخلافات مهما بلغت حدتها، لا ينبغي أن تمتد إلى الأماكن التي يتفق الملايين على قدسيتها ومكانتها ، وهي رسالة تحذير من اللعب بالنار ، أيا من كان وراء هذه المحاولة للهجوم ، حيث تباينت التقارير الإعلامية حول من يقف وراء هذا الهجوم الأرعن ، ففي حين أعلنت قوات التحالف أنها صدت هجوما للحوثيين على مكة المكرمة فإن تقارير أخرى تشير إلى نفي الحوثيين لاستهداف الأماكن المقدسة ، في حين أشارت تقارير أخرى من أن الهجوم انطلق من إحدى القواعد العسكرية المعادية في دولة عربية .
وصحيح أن المدينة المقدسة لم تصلها نيران الاعتداء الآثم ، حيث تصدت الدفاعات الجوية لتلك المسيرات وحطمتها قبل أن تدخل المجال الجوي لمكة المكرمة ، لكن العبث بالمقدسات الدينية أمر لا يحمد عقباه ، ومن شأنه تأجيج الصراعات ، وتوسيع رقعة الصراع لإدخال المنطقة في أتون صراع لا يعرف أحد نهايته ، وصحيح أن للبيت رب يحميه ، وكذلك له قلوب تهوي إليه ، ومستعدة عن الدفاع عنه بكل أشكال ووسائل الدفاع ، لذا جاء بيان الأزهر في هذا السياق المتوافق مع موقف مصر الرسمي من أن أمن المملكة العربية السعودية من أمن مصر ، وأمن الخليج العربي جزء من الأمن القومي المصري كما صرح بذلك الرئيس عبد الفتاح السيسي ، وقد جاءت زيارة الأمير محمد بن سلمان لمصر بعيد هذه الأزمة لتنسيق المواقف ، وتأكيد التضامن المصري السعودي في مواجهة التهديدات الأمنية.
إن بيان الأزهر يضع البعد الديني والأخلاقي في مكانه الصحيح: فصيانة حرمة البلد الحرام وحفظ أمنه وأمن قاصديه مسؤولية ينبغي احترامها من المسلمين وغير المسلمين، بعيدا عن حسابات الصراع والسياسة ، فلا ينبغي أن نسمح للصراع السياسي والعسكري بأن يتحول إلى صراع على المقدسات، ولا أن نترك المنطقة تنزلق إلى أتون مواجهة مفتوحة لا يعرف أحد مداها ولا نهايتها.
حفظ الله بلاد الحرمين الشريفين ، وأسبغ عليها وعلا بلادنا جميعا نعمة الأمن والأمان .