عاجل

ترتبط منطقة العتبة بذاكرتى بذكريات أكثر من رائعة عندما كنت طالبا فى الجامعة فى أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينات من القرن الماضى، فقد كنت مترددا على هذه المنطقة أسبوعيا لدخول سينما ألومبيا باعتبارها رخيصة السعر وتعرض أكثر من فيلم فى العرض الواحد. وكذلك لشراء الكتب القديمة بأسعار زهيدة.وأذكر أننى ذات مرة اشتريت مختار الصحاح بثلاثة قروش فقط. وفى العام الماضى دفعنى القدر لزيارة منطقة العتبة ولعنت اليوم الذى دفعنى إلى ذلك من شدة الزحام والفوضى البشعة.

وأخيرا سعدت جدا لكل أعمال التطوير التى تجرى حاليا في العتبة. و​تعد منطقة العتبة والموسكي واحدة من أعرق وأهم المراكز التجارية في قلب القاهرة، وليست مجرد تجمع تقليدي للمحال والأنشطة الاقتصادية، بل هي ذاكرة حية تعكس تاريخ المحروسة وتطورها الاجتماعي والاقتصادي على مدار عقود طويلة. ومع تعاقب الزمن، وقعت هذه المنطقة التاريخية ضحية للتكدس والازدحام والعشوائية، وتحولت ممراتُها الحيوية إلى ساحات خانقة تعيق حركة المواطنين وتهدد السلامة العامة. من هنا جاءت انطلاقة مشروع الدولة الشامل لتطوير وإحياء سوق العتبة، ليمثل نقلة نوعية تعيد صياغة المشهد الحضاري والتجاري لهذه المنطقة الاستراتيجية.

و​ترتكز استراتيجية تطوير سوق العتبة على فلسفة دقيقة ومدروسة، فلا تستهدف الهدم أو تغيير الهوية التاريخية والتجارية المتأصلة في وجدان المواطنين، بل تسعى جاهدة لرفع كفاءة البنية العمرانية وتحسين جودة الحياة والعمل. إن التحدي الأكبر الذي واجه خطط التطوير تمثل في كيفية إعادة الانضباط والنظام إلى منطقة تعج بمئات الآلاف من المترددين يومياً، دون الإخلال بطابعها الشعبي والتجاري الفريد. وقد جاءت الجهود الحكومية، ممثلة في وزارة التنمية المحلية وبالتنسيق مع محافظة القاهرة، لترجم هذا الفكر إلى خطوات تنفيذية واضحة المعالم، تستهدف إعادة الوجه الحضاري المشرق لعقارات العتبة وشوارعها العريقة. 
وقد ​شهد مشروع التطوير، ولا سيما في مراحله المتقدمة والحالية، إنجازات بارزة تمثلت في عدة محاور رئيسية تكاملت فيما بينها لإحداث تغيير جذري. 

وبدأت عملية التطوير من الجذور عبر تحديث شبكات مياه الشرب، والصرف الصحي، والكهرباء، والاتصالات، فضلاً عن إنشاء بلاعات متطورة لتصريف مياه الأمطار، وهو ما عالج المشاكل المزمنة التي عانت منها البنية التحتية للمنطقة لسنوات طويلة. واحتضنت منطقة العتبة مآثر معمارية فريدة تعود للقرنين التاسع عشر والعشرين، والتي تحول العديد منها مع مرور الوقت إلى مخازن ومحال متهالكة. وقد نجحت جهود الترميم والدهان في إعادة الروعة والألق لهذه العقارات التاريخية والحديثة بنسب إنجاز متقدمة تجاوزت التسعين بالمائة، مع توحيد اللوحات الإعلانية والواجهات بأساليب عصرية تناسب الهوية البصرية لكل مبنى سواء عبر اللافتات الخشبية التراثية أو ألواح الكلادينج الحديثة. وتضمن المخطط إعادة تنظيم الطرق والأرصفة باستخدام بلاط "الإنترلوك"، وصب قواعد المظلات المقاومة للحريق، وتخصيص أماكن منظمة وطاولات حضارية للباعة الجائلين تمنع عودة العشوائية وتضمن انسيابية حركة المرور والمشاة. كما شملت الأعمال تركيب كاميرات مراقبة حديثة وكشافات إضاءة قوية لتعزيز المنظومة الأمنية ورفع مستوى السلامة العامة.

لا يقاس نجاح مشروعات التجديد الحضري بمقاييس الهندسة والمباني فحسب، بل بأثرها المباشر على حياة الإنسان. إن تطوير سوق العتبة ينعكس بشكل إيجابي ومباشر على آلاف التجار وأصحاب المحال والمترددين عليها. فالبيئة التجارية المنظمة والآمنة تسهم في جذب المزيد من الاستثمارات وحركة الرواج التجاري. إضافة إلى حماية الممتلكات والأرواح من مخاطر الحرائق والعشوائيات بفضل منظومة الحماية المدنية الحديثة وحنفيات الحريق الموزعة بدقة.

ويرسخ هذا المشروع رسالة هامة مفادها أن الدولة قادرة على اقتحام أصعب الملفات العمرانية المعقدة، وتحويل المناطق ذات الكثافات السكانية والتجارية الطاغية إلى نماذج للتحضر والتنظيم، مع صيانة الذاكرة التاريخية للمدن المصرية. ​إن مشروع تطوير سوق العتبة ليس مجرد مشروع لتبليط الشوارع وطلاء الواجهات، بل هو ملحمة إحياء متكاملة تعيد الاعتبار لقلب القاهرة التاريخي والتجاري. إنه يثبت بوضوح أن التنمية الحقيقية هي التي توازن بين مقتضيات العصر الحديث ودفء الأصالة التاريخية، لتظل العتبة كما كانت دائماً شرياناً نابضاً بالحياة، وعنواناً لحركة التجارة المصرية الأصيلة، ورمزاً لقدرة المكان والوطن على التجدد الدائم.

تم نسخ الرابط