عاجل

حين يتحول الخلاف حول نهر النيل من قضية تنمية وتعاون إلى خطاب يقوم على فرض الأمر الواقع يصبح من الضروري أن نتوقف أمام حقيقة لا يمكن القفز فوقها نهر النيل شريان حياة لدول متعددة وأمنه المائي لا يمكن أن يكون رهينة لإرادة دولة واحدة لأن هناك لحظة تصبح فيها السياسة أسيرة الوهم حين تصر دولة على امتلاك المنبع يعني امتلاك النهر وأن القدرة على بناء السدود تعني امتلاك حق المنح والمنع وأن الجغرافيا يمكن أن تمنح طرفاً واحداً سلطة تقرير مصير شعوب أخرى وهنا تحديداً تكمن خطورة الخطاب الإثيوبي المتصاعد حول مياه النيل.

إثيوبيا دولة لها حق التنمية لا نعترض على لكن مصر دولة لها حق الحياة ولا تستطيع اى دولة فى العالم ان تعترض على ذلك فالفرق بين الحقين أن الأول يمكن تنظيمه بالتعاون أما الثاني فلا يمكن أن يكون محل مغامرة أو مقامرة.

إثيوبيا تتعامل مع النيل وكأنه ملف إثيوبي خالص متجاهلة أن النهر عابر للحدود وأن أي مشروعات كبرى عليه تترك آثاراً مباشرة على دول المصب وفي مقدمتها مصر والسودان حيث تتشارك دول الحوض في موارده وآثاره ولذلك فإن أي مشروعات ضخمة على مجراه لا يمكن أن تُدار بمنطق القرار المنفرد وإنما تحتاج إلى تفاهمات تحفظ مصالح دول المنبع والمصب معاً.

إثيوبيا تستطيع أن تبني السدود وتنتج الكهرباء وتبحث عن التنمية التي يستحقها شعبها لكن لا تستطيع أن تجعل من هذه المشروعات وسيلة للتحكم في شريان حياة أكثر من مائة مليون مصري لان مصر لا تعترض على حق إثيوبيا في التنمية أو إنتاج الكهرباء ولا ترفض أن يستفيد الشعب الإثيوبي من موارده الطبيعية لكنها تتمسك في المقابل بحق أصيل لا يقبل المساومة ألا تتحول التنمية في دولة إلى تهديد للحياة في دولة أخرى وهنا تحديداً تكمن جوهر الأزمة..

فمن غير المنطقي أن تتحدث دولة عن التنمية بينما تتجاهل حق شركائها في الاطمئنان إلى مواردهم المائية أو أن تتحول السدود من مشروعات تنموية إلى أدوات ضغط سياسي المطلوب ليس منطق المنتصر والمهزوم وإنما اتفاق عادل وملزم يضمن مصالح الجميع ويضع قواعد واضحة للتشغيل والتصرف في فترات الجفاف والسنوات شحيحة المياه والأكثر لفتاً للنظر أن إثيوبيا نفسها تواجه تحديات داخلية وإقليمية معقدة صراعات مسلحة وتوترات سياسية وعرقية وأزمات اقتصادية وإنسانية فضلاً عن ملفات شائكة مع دول الجوار وفي مثل هذه الظروف فإن تصعيد الخلافات الخارجية لا يبدو طريقاً سهلاً لبناء نفوذ إقليمي مستقر فالنفوذ الحقيقي لا يصنعه ارتفاع سقف التصريحات ولا كثرة المشروعات ولا محاولة فتح جبهات جديدة في محيط إقليمي شديد التعقيد النفوذ الحقيقي تصنعه القدرة على بناء التفاهمات واحترام مصالح الجيران وتحويل الجغرافيا من مصدر للصراع إلى مساحة للتعاون لأن المنطقة تعيش بالفعل حالة من السيولة الأمنية والسياسية تجعل أي تصعيد جديد مصدر قلق لدول الإقليم كلها..

وفي القرن الأفريقي حيث تتشابك الملفات بصورة أكبر البحر الأحمر أمن الملاحة الصومال النفوذ الإقليمي والتنافس الدولي فأى خطوة أحادية الجانب يمكن أن تفتح باباً لأزمة جديدة..

على الرغم من كل هذه التعقيدات تبقى الحقيقة المصرية أبسط من كل الحسابات مصر لا تبحث عن حرب ولا تريد حرمان إثيوبيا من حقها فى التنمية لكنها لن تقبل أن يتحول النيل إلى أداة ضغط على المصريين فالمشكلة إذن ليست في أن إثيوبيا تريد أن تكون دولة قوية المشكلة تبدأ عندما يُفهم النفوذ على أنه القدرة على تجاهل الآخرين فالدول الكبرى لا تبني مكانتها بالصدام الدائم مع جيرانها وإنما بالقدرة على تحويل القوة إلى تفاوض والمصالح إلى شراكات والخلافات إلى اتفاقات تحفظ الحقوق ومصر بحكم تاريخها وموقعها وارتباط وجودها بالنيل لن تتعامل مع أمنها المائي باعتباره تفصيلاً هامشياً وفي الوقت نفسه فإن التعامل مع الأزمة يحتاج إلى عقل بارد ونَفس طويل واستخدام كل الأدوات الدبلوماسية والقانونية والسياسية التي تكفل حماية المصالح المصرية فالنيل ليس ملكاً لإثيوبيا وحدها كما أنه ليس ملكاً لمصر وحدها لكنه بالنسبة إلى مصر تحديداً مسألة حياة ووجود ومن هنا فإن الرسالة الأهم ليست رسالة تهديد وإنما رسالة واضحة فالمنطقة ليست نهراً مقسوماً بالخلافات وإنما نيلاً يجمع دوله على قاعدة واحدة لا ضرر لا فرض للأمر الواقع ولا انتقاص من حق أي شعب في الحياة هذا هو الطريق الذي يحفظ لإثيوبيا حقها في التنمية ولمصر حقها في الحياة وللسودان حقه في الأمان ولمنطقة القرن الأفريقي مستقبلها الذي تستحقه..

فالنيل قديم قدم التاريخ ومن يظن أن التاريخ يمكن اختصاره في قرار منفرد لم يفهم بعد معنى النهر فالقوة الحقيقية هي أن تمتلك الدولة من الحكمة ما يجعل الآخرين يثقون ..
بها ومن القدرة ما يجعل حقوقها مصانة ومن الرؤية ما يحول النيل من سبب للصراع إلى جسر للتعاون..

تم نسخ الرابط