عاجل

كيف تحولت الولايات المتحدة… من دولة كبرى… إلى قوة تسعى لقيادة العالم منفردة؟

من الذي صاغ فكرة: أن أمريكا يجب أن تحكم النظام الدولي بالقوة؟

ومن هم الرجال الذين وقفوا خلف حروب الشرق الأوسط… وخلف فكرة "الضربة الوقائية"… وخلف مشروع إعادة تشكيل العالم؟

إنهم… المحافظون الجدد — Neo Conservatives

تيار سياسي وفكري… لم يكتفِ بإدارة السياسة الأمريكية… بل حاول إعادة صياغة العالم كله وفق رؤيته.

رؤية تقوم على: القوة العسكرية والهيمنة الدولية ودعم إسرائيل وإعادة تشكيل الشرق الأوسط.

لكن الأخطر… أن هذا المشروع لم يكن سياسياً فقط… بل امتزج أيضاً بعقائد دينية وأفكار أيديولوجية عميقة.

في هذه الحلقة… سنكشف كيف صعد المحافظون الجدد إلى قلب السلطة الأمريكية… وكيف أصبحوا مهندسي الحروب الكبرى… وماذا كانت علاقتهم بالدين… وإسرائيل… والحرب على الإرهاب.

ظهر تيار المحافظين الجدد داخل الولايات المتحدة خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

لكن صعوده الحقيقي بدأ مع مجموعة من المفكرين والسياسيين الذين آمنوا بأن الولايات المتحدة ليست مجرد دولة كبرى… بل "قوة استثنائية" يجب أن تقود العالم.

ومن أبرز الأسماء المؤسسة لهذا التيار: إرفنج كريستول — Irving Kristol 

الذي يُعتبر الأب الفكري للمحافظين الجدد.

ثم ظهرت أسماء أخرى سيطرت لاحقاً على مفاصل القرار الأمريكي، أبرزها: ديك تشيني — Dick Cheney  دونالد رامسفيلد — Donald Rumsfeld  

بول وولفويتز —Paul Wolfowitz  وليام كريستول —William Kristol  ريتشارد بيرل —Richard Perle

هؤلاء لم يكونوا مجرد سياسيين عاديين… بل شبكة فكرية وسياسية متكاملة.

شبكة تؤمن بأن العالم يجب أن يُدار وفق الرؤية الأمريكية… ولو بالقوة العسكرية.
لكن ما الذي جعل هذا التيار يكتسب كل هذا النفوذ داخل واشنطن؟

الإجابة تبدأ من فكرة واحدة:

الخوف… وصناعة العدو.

يرتكز فكر المحافظين الجدد على عدة مبادئ أساسية.

ومن أهمها: أولاً: تقسيم العالم إلى خير وشر

فالعالم — وفق هذه الرؤية — ليس مساحة مصالح معقدة… بل معركة أخلاقية كبرى.

هناك "قوى خير" تقودها الولايات المتحدة… و"قوى شر" يجب مواجهتها.

هذا التصور ظهر بقوة خلال الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفيتي.

وقد لعب دونالد رامسفيلد —  Donald Rumsfeld وعدد من المحافظين الجدد دوراً كبيراً في تضخيم صورة الخطر السوفيتي. بل تم تشكيل فريق استخباراتي خاص عُرف باسم: "تيم بي — Team B"

بإشراف ريتشارد بايبس —  Richard Pipes  وكان الهدف إعادة تقييم قدرات الاتحاد السوفيتي، لكن منتقدين اعتبروا أن هذا الفريق ضخّم التهديد السوفيتي لتبرير التوسع العسكري الأمريكي.

ثانياً: الإيمان بالقوة العسكرية

يرى المحافظون الجدد أن القوة العسكرية ليست مجرد وسيلة دفاع… بل أداة لإعادة تشكيل العالم.

ومن هنا ظهرت فكرة: "الضربة الوقائية"

أي مهاجمة الخصوم قبل أن يصبحوا تهديداً مباشراً.

وكان بول وولفويتز — Paul Wolfowitz من أبرز المنظرين لهذه الفكرة.

وهي العقيدة التي ظهرت بوضوح بعد أحداث 11 سبتمبر… وخلال غزو العراق 2003.

لكن المحافظين الجدد لم يعتمدوا فقط على السياسة والقوة… بل تحالفوا مع قوة أخرى شديدة التأثير داخل المجتمع الأمريكي: اليمين الديني المسيحي.

في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي… بدأ المحافظون الجدد البحث عن قاعدة شعبية ضخمة تدعم مشروعهم السياسي.

ووجدوا هذه القاعدة داخل: اليمين المسيحي المحافظ  وهو تيار ديني يؤمن بتفسيرات عقائدية مرتبطة بنهاية العالم وعودة المسيح.

بعض هذه التيارات يرى أن: قيام إسرائيل جزء من نبوءات دينية  وأن تجميع اليهود في فلسطين يمهد لعودة المسيح  وأن معركة "هرمجدون" تمثل المواجهة النهائية بين الخير والشر

وهكذا نشأ تحالف بين: المحافظين الجدد واليمين المسيحي وبعض دوائر الدعم المؤيدة لإسرائيل

بلغ هذا التحالف ذروته خلال إدارة: جورج دبليو بوش — George W. Bush

حيث اتسمت الإدارة بطابع ديني واضح.

وكان عدد من المسؤولين المقربين من بوش ينتمون إلى خلفيات دينية محافظة، مثل: جون أشكروفت —John Ashcroft  كونداليزا رايس —Condoleezza Rice  بل إن بعض الروايات تحدثت عن أن بوش كان يرى أن لديه "رسالة" ذات بعد ديني وسياسي.

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي… احتاج المحافظون الجدد إلى عدو جديد.

وهنا بدأ التحول الأخطر.

بعد سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991… اختفى العدو التقليدي للولايات المتحدة.

لكن مشروع المحافظين الجدد كان يحتاج إلى استمرار حالة التعبئة والصراع.

وهنا بدأ التركيز على: الشرق الأوسط  والحركات الإسلامية والإرهاب العالمي.

وأصبح ما سُمّي بـ"الخطر الإسلامي" جزءاً مركزياً في الخطاب السياسي الأمريكي.

وفق كثير من التحليلات السياسية، أصبحت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تدور حول ثلاثة محاور رئيسية: النفط وإسرائيل ومواجهة الخصوم الاستراتيجيين.

وفي هذا السياق… دعمت الولايات المتحدة تدخلات سياسية وعسكرية متعددة في المنطقة.

أفغانستان والحرب ضد السوفييت

خلال الحرب السوفيتية في أفغانستان… دعمت الولايات المتحدة مجموعات "المجاهدين" لمواجهة النفوذ السوفيتي.

وكان الهدف استنزاف الاتحاد السوفيتي وإضعافه.

وشهدت تلك المرحلة ظهور شخصيات وتنظيمات لعبت لاحقاً أدواراً كبيرة في المشهد العالمي، ومنها: أسامة بن لادن —Osama bin Laden

وقد تمت هذه المرحلة بدعم إقليمي ودولي واسع في إطار الحرب الباردة.

لكن السؤال الأهم الآن: هل كان المحافظون الجدد مجرد تيار سياسي عابر؟

أم أنهم غيّروا شكل النظام الدولي بالكامل؟

في النهاية… لم يكن المحافظون الجدد مجرد مجموعة مفكرين داخل الحزب الجمهوري.

بل كانوا مشروعاً متكاملاً لإعادة تشكيل العالم.

مشروع يقوم على: التفوق الأمريكي والقوة العسكرية والتدخل الخارجي والتحالف بين السياسة والدين

لقد نجحوا في الوصول إلى قلب السلطة… ووصل تأثيرهم إلى الحروب… والاقتصاد… والإعلام… وحتى شكل النظام الدولي نفسه.

لكن التجربة أيضاً تركت وراءها أسئلة كبرى: هل يمكن فرض الهيمنة بالقوة إلى الأبد؟

وهل تؤدي الحروب الاستباقية فعلاً إلى الأمن… أم إلى مزيد من الفوضى؟

وهل كان الشرق الأوسط ضحية لصراع المصالح… أم ساحة لتنفيذ مشروع أيديولوجي عالمي؟

الحلقات القادمة بعنوان: " المحافظون الجدد والسيطرة على الشرق الأوسط من النفط إلى النظام الدولي الجديد ستكشف ملفات أشد خطورة… وأكثر إثارة.

تم نسخ الرابط