
أغلقت الهاتف وأنا لا أعرف هل أتعجب من سرعة ما يحدث أم أستعد له حيث كان عليّ أولًا أن أصنع أفيشًا لمهرجان لم يكن قد وُلد رسميًا بعد ؛ أما أحمد عاطف فلم أقل له شيئًا ؛ أبلغته فقط أنني سأرد عليه مساءً واتفقنا أن نلتقي في العاشرة والنصف بمطعم «الجريون» في وسط البلد لأبلغه بقراري بشأن إقامة المهرجان.
غادر مكتبي وهو يأمل في موافقتي على إقامة المهرجان في القصر، بينما كنت أخفي عنه أنني ذاهب بعد ساعات قليلة للقاء وزير الثقافة.
استدعيت زميلتي جيهان عادل المسؤولة عن قسم الجرافيك في مجلة «أبيض وأسود» التي كانت تصدر عن القصر وطلبت منها تصميم الأفيش باللون الأزرق كما طلب ياسر شبل وخلال ساعتين فقط انتهت من المهمة وكان العنوان:
«مهرجان قصر السينما للفيلم القصير».
طُبع الأفيش ووضعته في ظرف من مقاس A4 واستعددت للذهاب إلى منزل الوزير في منيل شيحا
وفي تمام الثامنة مساءً كنت في الطابق الثاني من فيلا الوزير ..
كانت الفيلا ساحرة وكان اللقاء يضم إلى جانبي الإعلامي محمد فودة الذي كان يعمل وقتها في مكتب الوزير ومحمد حسين المساعد الشخصي الوزير ؛ وضعت ظرف الأفيش أمام الوزير الذي فحص ونظر إليه بعين الفنان.
كنت أتابعه باهتمام بالغ منتظرًا ما سيقوله ثم تحدث وقال:
— أولًا هتغير اسم المهرجان.
انتظرت.
فأضاف:
— من «مهرجان قصر السينما للفيلم القصير» إلى «ملتقى أفلام المحاولة الأولى».
ثم بدأ يضيف بعض اللمسات إلى الرسومات قبل أن ينتقل إلى الجزء الأكثر حساسية في حديثه.
قال بهدوئه المعتاد:
— أولًا، ما حدش يعرف إني على علم بالموضوع ده نهائيًا.
صمتُّ ثم أضاف:
— ثانيًا بكرة الصبح تعمل مؤتمر صحفي كبير تعلن فيه مع عاطف ورفاقه إنك هتنتصر للسينما وتستضيف الحدث بقصر السينما انتصارًا للسينما.
كنت أستمع إليه وأحاول أن أستوعب الخطة لكن كان هناك سؤال آخر يشغلني تشجعت وسألته:
— وماذا عن الدكتور أحمد مجاهد رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة؟
ابتسم الوزير وقال:
— مش هتبلغه بحاجة هيعرف من خلال المؤتمر زيه زي الناس.
سكت قليلًا، ثم سألته:
— وتفتكر هيسكت؟
أجاب فورًا:
— لا طبعًا… هيعنفك ويحولك للتحقيق واحتمال يشتكيك ليا كمان !!
قلت:
— كمان؟
ضحك وقال:
— والسفير الفرنسي بالقاهرة كمان هيشتكيك ليا،
والموضوع هيكبر.
أصبت بالوجوم والصمت فقد كان السيناريو الذي يضعه أمامي واضحًا وضوح الشمس حيث سأواجه عاصفة إدارية وسياسية ستنشأ بمجرد الإعلان.
ثم استطرد:
— وأنا ساعتها هتهمك بالتسرع وأحذرك من تكرار الخطأ ده… إزاي تعمل مهرجان من غير الرجوع لقياداتك؟!
نظرت إليه وسألته:
— وترفدوني صح؟
انفجر ضاحكًا وقال:
— لا ما تخافش مش هنرفدك ؛ ثم أكمل:
— هنضطر نعمل المهرجان اللي إنت أعلنت عنه وفي نفس الوقت ما نزعلش السفير الفرنسي .
في تلك اللحظة فهمت طريقة تفكير الوزير فهو لم يكن ينظر إلى الأمر من زاوية واحدة بل كان يريد أن يُقام المهرجان وأن تُحفظ في الوقت نفسه حسابات الوزارة وعلاقتها بالجانب الفرنسي وأن يبقى هو بعيدًا عن المشهد الرسمي في بدايته .. يا لها من معادلة
خرجت من عنده وأنا أعرف ما الذي ينتظرني في الصباح وفي العاشرة والنصف ذهبت إلى «الجريون» لمقابلة أحمد عاطف الذي كان ينتظر قراري لكنني هذه المرة لم أكن أملك مجرد رأي أو موافقة بل كنت أملك اسمًا جديدًا للمهرجان وأفيشًا أزرقا وتعليمات واضحة ومهمة تبدأ مع أول ضوء في اليوم التالي.
وبالفعل في صباح اليوم التالي أقمت المؤتمر الصحفي وأعلنت أمام وسائل الإعلام أن قصر السينما سيستضيف «ملتقى أفلام المحاولة الأولى» وأن موعد انطلاقه سيكون بعد ثلاثة أيام فقط !! ثلاثة أيام لم تكن تسمح بالكثير من الوقت.
تقدمت وسائل الإعلام، وتشكلت اللجان، وبدأت الاستعدادات على قدم وساق والهم من ذلك انني أصبحت بطلا في الصحافة ووسائل الإعلام !!
لقد حدث ما توقعه فاروق حسني تمامًا وقامت العاصفة وجاءت ردود الفعل والاعتراضات وتحول الإعلان المفاجئ إلى حديث واسع ووجدت نفسي في قلب الأحداث أتعامل مع تداعيات قرار اتخذته في الظاهر بمبادرة مني بينما كنت أعرف في داخلي كيف بدأت الحكاية ومن أين جاءت شرارتها الأولى ولكن وسط كل ذلك، كان هناك أمر واحد لم يعد قابلًا للتراجع : المهرجان أصبح واقعًا.
وبعد ثلاثة أيام فقط، أقيمت الدورة الأولى من ملتقى أفلام المحاولة الأولى ومن يومها لم تتوقف الحكاية فالمهرجان الذي بدأ بفكرة طرحت في لحظة غضب ثم خرج من مكتب صغير في قصر السينما إلى منزل وزير الثقافة لم يكن مجرد حدث عابر ينتهي بانتهاء المناسبة.
لقد استمر الملتقى وتوالت دوراته وتعاقبت عليه الأفلام والمخرجون والشباب الذين كانوا يبحثون عن فرصتهم الأولى ؛ وظل اسم «المحاولة الأولى» يحمل دلالته الأولى: أن السينما لا تحتاج دائمًا إلى بداية مثالية وإنما تحتاج أحيانًا إلى شخص يؤمن بأن المحاولة تستحق أن تُمنح فرصة وهكذا من صباح عادي في أغسطس 2010، بدأت قصة مهرجان ما زال مستمرًا إلى يومنا هذا انتصارًا للسينما ..