7 مليارات دولار في «دمشق الجديدة».. هل تنعش الاستثمارات سوق العقارات السورية؟
استثمارات إماراتية بقيمة 7 مليارات دولار فتحت الباب على مصراعيه أمام إمكانية تحول منطقة «دمشق الجديدة» من مجرد مشروع تطوير سكني بمعايير حديثة إلى نقطة انطلاق لإنعاش شامل لسوق العقارات السورية.
المشروع يضم 11 ألف وحدة سكنية ومجتمعًا عمرانيًا متكاملًا
ويرى خبراء اقتصاديون سوريون تحدثوا لـ«إرم بزنس» أن الاستثمارات التي ضختها شركة «أرادَ» الإماراتية للتطوير العقاري لتنفيذ مشروع في منطقة «دمشق الجديدة» بقيمة 7 مليارات دولار، قد تشكل بداية لإنعاش السوق العقارية السورية المتعطشة لاستثمارات كبيرة وسريعة، متوقعين أن تفتح هذه الاستثمارات الباب أمام شراكات جديدة تحمل قيمة مضافة للاقتصاد السوري.
شراكة واعدة
في نهاية أغسطس، وقّع الصندوق السيادي السوري اتفاقية مع شركة «أرادَ» الإماراتية للتطوير العقاري لتنفيذ مشروع في منطقة «دمشق الجديدة» بقيمة 7 مليارات دولار، وفقًا لما أوردته الوكالة العربية السورية للأنباء «سانا».
ويُعد المشروع الأول للشركة في سوريا، ويمتد على مساحة 4 ملايين متر مربع، ليشكل مجتمعًا متكاملًا يضم 11 ألف وحدة سكنية تشمل شققًا وفللًا و«تاون هاوس» ووحدات سكنية ذات علامات تجارية، إلى جانب حديقة عامة رئيسية بمساحة 700 ألف متر مربع، بحسب الوكالة.
أشار الرئيس التنفيذي لقطاع التطوير العقاري في الصندوق السيادي، محمد الخياط، إلى أن مشروع «دمشق الجديدة» يطبق مفهوم «مدينة الـ15 دقيقة»، الذي يتيح للسكان الوصول إلى احتياجاتهم اليومية من الخدمات الصحية والترفيهية وغيرها خلال دقائق معدودة، دون الحاجة إلى التنقل خارج حدود المدينة.
وأعلن الصندوق حينها أن الاتفاق يتضمن أيضًا مبادرة «مدينة مقابل مدينة» لبناء مساكن مستدامة لسكان المخيمات وأصحاب المنازل المدمرة.
وبحسب تقديرات البنك الدولي، تكبّد قطاعا العقارات والبنية التحتية أضرارًا مباشرة تُقدّر بنحو 108 مليارات دولار، منها 33 مليار دولار في المباني السكنية، و23 مليار دولار في المباني غير السكنية، إضافة إلى 52 مليار دولار في البنية التحتية.
وتصل كلفة إعادة الإعمار الشاملة، وفق التقديرات نفسها، إلى 216 مليار دولار، منها 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمباني غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.
وسبق أن ذكر وزير الأشغال العامة والإسكان، مصطفى عبد الرزاق، في 17 سبتمبر 2025، أن عدد المنازل المدمرة في سوريا بلغ نحو مليون منزل، ما يعني أن نحو مليون عائلة على الأقل تبحث عن سكن بديل، فيما يعيش ربع السكان في مساكن عشوائية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تبذل فيه الحكومة السورية جهودًا لمعالجة أزمة السكن، من بينها توقيع مذكرة تفاهم مع شركة مصرية لبناء 100 ألف وحدة سكنية لمتوسطي الدخل في سوريا خلال السنوات الخمس المقبلة، إلى جانب توقيع شركتي «الأولى» السعودية و«الأعمار» الإماراتية مذكرتي تفاهم مع المؤسسة العامة للإسكان لبناء 50 ألف وحدة سكنية.
إنعاش منتظر للسوق العقارية السورية
يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق، عبد القادر عزوز، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن الاستثمار الإماراتي يمثل نقطة تحول جوهرية وحجرًا أساسيًا لمرحلة إعادة الإعمار الشاملة، ومدخلًا رئيسيًا لمعالجة حالة الركود التضخمي الحاد التي يعاني منها سوق العقارات.
أوضح أن المشروع يحمل أبعادًا تنموية بارزة، إذ يستهدف بناء مدن سكنية مستدامة تحاكي المفاهيم التنظيمية العالمية الحديثة، مثل «مدينة الـ15 دقيقة»، وتوفر حلولًا سكنية لقاطني المخيمات وأصحاب المنازل المهدمة.
أضاف أن الاستثمار يسهم في كسر حالة الجمود الاستثماري، بما قد يفتح الباب أمام الشركات الخليجية والإقليمية لدخول السوق السورية.
وأشار عزوز إلى أن تنشيط قطاع التطوير العقاري سيؤدي إلى ضخ سيولة كبيرة وتحريك القطاعات المساندة، من خلال تشغيل مئات شركات المقاولات المحلية، وتنشيط مصانع مواد البناء، مثل الحديد والإسمنت والسيراميك، إلى جانب توفير أعداد كبيرة من فرص العمل.
كما شدد على أن نجاح هذه الخطوة يواجه تحديات تتطلب استثمارات موازية لتأمين البنية التحتية والخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات، إلى جانب إعادة تفعيل القروض والتمويل العقاري.
ودعا عزوز إلى ضرورة معالجة التحديات القانونية التاريخية المتعلقة بالملكية العقارية، وتثبيت الحقوق، وتسوية النزاعات، وإخلاء الأراضي المستملكة، بما يضمن استمرارية التنفيذ، خاصة أن الاستثمارات الإماراتية تحمل أهمية كبيرة لإنعاش قطاع العقارات في سوريا.
نموذج يحفز استثمارات موازية
في سياق متصل، يرى الأكاديمي والباحث الاقتصادي السوري وائل أحمد، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن الاتفاق يمثل فرصة مهمة لإعادة تنشيط القطاع العقاري في سوريا، ليس فقط بسبب حجم المشروع، وإنما لما يحمله من إشارة إيجابية إلى عودة الاستثمار الإقليمي إلى السوق السورية.
ولفت إلى أن المشروع يمكن أن يشكل نموذجًا جديدًا للتوسع العمراني المنظم، ويحفز استثمارات موازية في قطاعات البناء والمقاولات والخدمات والنقل والطاقة والتجارة.
وتكتسب هذه الخطوة، بحسب وائل أحمد، «أهمية أكبر في ظل حجم الفجوة السكنية والعمرانية المتراكمة، مع وجود طلب كامن كبير يمكن أن يتحول تدريجيًا إلى طلب فعلي مع تحسن مستويات الدخل، وعودة السكان، واستعادة النشاط الاقتصادي، وزيادة تدفقات الاستثمار والتحويلات».
ولا تقتصر الآثار الاقتصادية المحتملة للمشروع على القطاع العقاري، بحسب أحمد، موضحًا أن الاستثمار العقاري يمتلك مضاعفًا اقتصاديًا مرتفعًا نتيجة اعتماده على سلاسل واسعة من الأنشطة، التي قد تستفيد منه، ومنها قطاعات المقاولات والإنشاءات، وصناعة الإسمنت والحديد ومواد البناء، والأثاث والتجهيزات المنزلية، والنقل والخدمات اللوجستية، والهندسة والاستشارات والتصميم، فضلًا عن خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة.
ويرى الباحث الاقتصادي السوري أن مشروعات بهذا الحجم يمكن أن تسهم في تنشيط الاستثمار الخاص، وزيادة دوران السيولة، وتوسيع قاعدة النشاط الإنتاجي، وتحسين الإيرادات العامة مستقبلًا، مشيرًا إلى أن فرص تحول المشروع إلى محرك لانتعاش عقاري واقتصادي مستدام تبدو كبيرة.
وخلص أحمد إلى أنه يمكن النظر إلى «دمشق الجديدة» باعتبارها مؤشرًا مبكرًا على إمكانية انتقال القطاع العقاري والاقتصاد السوري من مرحلة الركود وإعادة البناء إلى مرحلة الاستثمار والنمو والتطوير الحضري المنظم.
وأكد أنه إذا ترافقت عملية التنفيذ مع مواصلة تطوير البيئة القانونية والتنظيمية والتمويلية، وتحسين البنية التحتية، وتوسيع قاعدة المستفيدين من خلال تنويع المنتجات السكنية، فقد يصبح المشروع إحدى اللبنات الأساسية في انتقال سوريا من اقتصاد إعادة الإعمار إلى اقتصاد الاستثمار والنمو والتنمية الحضرية المستدامة.
ويرجح الباحث الاقتصادي السوري وائل أحمد، في ضوء ذلك، ألا يكون مشروع «دمشق الجديدة» مجرد مشروع عقاري كبير، بل نقطة انطلاق محتملة لموجة أوسع من الاستثمار والتحديث الاقتصادي والعمراني في سوريا.