"الحلم الأمريكي" بامتلاك منزل لم يعد أقرب إلى المواطن الأمريكي
دخل سوق العقارات الأمريكي مرحلة جديدة من أزمة القدرة على تحمل تكاليف السكن، بعدما عادت معدلات التمويل العقاري إلى الارتفاع بقوة، بالتزامن مع بقاء الدخل المطلوب لشراء المنزل النموذجي قرب أعلى مستوياته التاريخية، في وقت تتراجع فيه المبيعات ويزداد المعروض، بما يعكس اتساع الفجوة بين أسعار العقارات وقدرة الأسر الأمريكية على الشراء.
وتكشف أحدث إستطلاعات الرأي بالولايات المتحدة الأمريكية عن أن الأسرة الأمريكية أصبحت تحتاج إلى دخل سنوي يبلغ نحو 109.8 ألف دولار حتى تتمكن من تحمل تكلفة شراء المنزل النموذجي في السوق، وفق معيار لا يتجاوز 30% من الدخل للإنفاق الشهري على السكن. ورغم أن الرقم انخفض بنسبة 0.5% عن أعلى مستوى تاريخي بلغ 110.4 ألف دولار قبل عام، فإنه لا يزال أعلى بنحو 22.2 ألف دولار من متوسط دخل الأسرة الأمريكية البالغ نحو 87.6 ألف دولار.
والأكثر دلالة أن تحسن القدرة على الشراء خلال الفترة الأخيرة لا يزال محدودًا للغاية؛ إذ تشير البيانات إلى أن الأسرة ذات الدخل المتوسط كانت تحتاج إلى إنفاق نحو 37.6% من دخلها لشراء المنزل المتوسط في يونيو 2026، مقابل 39.3% قبل عام، بينما لم يكن سوى 34.2% من المعروض السكني متاحًا لأسرة تحصل على الدخل المتوسط، مقارنة بـ30.5% قبل عام. وقبل موجة ارتفاع معدلات التمويل التي بدأت في 2022، كان أكثر من نصف المعروض الأمريكي تقريبًا يقع ضمن نطاق القدرة الشرائية للأسرة المتوسطة في معظم أشهر الفترة التي تمتد بياناتها إلى 2013.
لكن الضغوط عادت للتصاعد خلال سبتمبر، مع ارتفاع تكلفة الاقتراض. فقد سجل متوسط معدل الرهن العقاري الثابت لمدة 30 عامًا 6.76% وفق بيانات Freddie Mac في الأسبوع المنتهي في 10 سبتمبر، وهو أعلى مستوى منذ يونيو 2025، بينما أظهرت بيانات يومية أخرى ارتفاع المعدل إلى 7.17% في 15 سبتمبر، وهو أعلى مستوى في نحو 20 شهرًا. ويعكس الاختلاف بين الرقمين اختلاف توقيت وطريقة القياس، لكن الاتجاه واحد: تكلفة التمويل عادت للارتفاع بشكل واضح.
وتظهر انعكاسات هذه الزيادة سريعًا على تكلفة الشراء؛ حيث أن متوسط دفعة الرهن العقاري الشهرية للمشتري الأمريكي بلغ 2,641 دولارًا خلال الأسابيع الأربعة المنتهية في 6 سبتمبر، وهو أعلى مستوى في 14 شهرًا، مدفوعًا بارتفاع أسعار المنازل وارتفاع متوسط معدل الرهن إلى 6.71% في تلك الفترة.
ولا تتوقف الضغوط عند التمويل، بل إمتدت إلي مبيعات المنازل القائمة ؛ حيث هبطت إلى معدل سنوي يبلغ 3.98 مليون وحدة في أغسطس، بانخفاض 1.2% على أساس سنوي و2% عن الشهر السابق، بينما وصل المعروض المتاح إلى أعلى مستوى في نحو 10 سنوات، في إشارة إلى أن ارتفاع التكلفة بدأ يضغط بصورة مباشرة على قدرة المشترين على دخول السوق.
المفارقة أن زيادة المعروض لا تعني بالضرورة عودة السوق إلى مستويات ميسورة؛ فالمشكلة الأمريكية الحالية لا تتمثل فقط في نقص الوحدات، وإنما في الفجوة بين سعر الوحدة وتكلفة تمويلها وبين دخول الأسر. كما أن ارتفاع أسعار المنازل خلال السنوات الماضية تزامن مع تضاعف معدلات الرهن العقاري تقريبًا مقارنة بمستويات ما قبل موجة التشديد النقدي، ما أدى إلى قفزة كبيرة في تكلفة امتلاك المنزل حتى في الفترات التي تباطأ فيها نمو الأسعار.
وتزداد الصورة تعقيدًا بالنسبة للطبقة المتوسطة والمشترين لأول مرة؛ فعلى الرغم من أن القدرة على تحمل تكلفة المنازل المبدئية تحسنت نسبيًا، فإن الدخل المطلوب لشراء المنزل النموذجي ما زال قريبًا من الرقم القياسي، كما أن ارتفاع تكلفة التمويل يجعل انخفاض أسعار المنازل وحده غير كافٍ لإعادة السوق إلى مستويات القدرة الشرائية التي سبقت عام 2022.
وتشير المعلومات إلى أن دخلًا قدره نحو 70.7 ألف دولار يكفي نظريًا لتحمل تكلفة المنزل المبدئي النموذجي، وهو تحسن أفضل من سوق المنازل ككل، لكنه لا يلغي اتساع أزمة القدرة على شراء المنازل الأكبر والأكثر طلبًا.
وفي الوقت نفسه، بدأت شركات التطوير العقاري الأمريكية في استخدام الحوافز لمحاولة تعويض ارتفاع تكلفة التمويل؛ حيث انه في سبتمبر قدمت شركات البناء تقدم حوافز مرتبطة بمعدلات التمويل يمكن أن توفر للمشتري أكثر من 600 دولار شهريًا في بعض الحالات، في محاولة للحفاظ على الطلب رغم ارتفاع تكلفة الاقتراض.
وتكشف هذه التطورات عن تغير جوهري في معادلة السوق العقاري الأمريكي: المشكلة لم تعد فقط في سعر المنزل، وإنما في تكلفة امتلاكه بالكامل. فحتى مع تباطؤ نمو الأسعار وارتفاع المخزون، يمكن لمعدلات الفائدة المرتفعة أن تلتهم أي مكاسب يحققها المشترون من انخفاض نسبي في أسعار الوحدات.
وبحسب أحدث استطلاع لرويترز، من المتوقع أن تظل معدلات الرهن العقاري مرتفعة خلال الفترة المقبلة، مع توقع متوسط يبلغ نحو 6.60% خلال الربع المقبل و6.52% في الربع الذي يليه، بينما تشير التوقعات إلى نمو محدود لأسعار المنازل خلال 2026، وهو ما يعني أن سوق الإسكان الأمريكي قد يظل عالقًا بين معروض آخذ في التحسن من جهة، وقدرة شرائية مقيدة بتكلفة التمويل والدخل من جهة أخرى.
وبذلك، لا تبدو أزمة العقارات الأمريكية في 2026 مجرد دورة مؤقتة لارتفاع الأسعار أو الفائدة، وإنما اختبارًا أعمق لنموذج امتلاك المسكن نفسه؛ فالسوق يستطيع زيادة المعروض، ويمكن للأسعار أن تتباطأ، لكن عودة القدرة الحقيقية على شراء المنزل ستظل مرتبطة بثلاثة متغيرات متشابكة: أسعار العقارات، تكلفة التمويل، ونمو دخول الأسر. وما لم تتحسن هذه المعادلة مجتمعة، فإن ارتفاع عدد المنازل المعروضة للبيع لن يعني بالضرورة أن «الحلم الأمريكي» بامتلاك منزل أصبح أقرب إلى المواطن الأمريكي.