عاجل

 

 
كان ذلك في أغسطس من عام 2010 حيث كنت حينها مديرًا لقصر السينما في جاردن سيتي ؛ وكان الصباح يسير على عادته هادئًا ورتيبًا قبل أن يقطع هذا الهدوء رنين الهاتف وكان المتصل هو المخرج والكاتب الصحفي الراحل أحمد عاطف ؛ قال إنه يريد مقابلتي للضرورة ؛ توقفت قليلًا عند كلمة «الضرورة». كان في نبرة صوته ما جعلني أشعر أن الأمر ليس مجرد زيارة عابرة أو حديث عابر ثم إن أحمد لم يكن شخصًا عاديًا بالنسبة لي؛ كانت بيننا حكاية قديمة تعود إلى عام 1995 حين ساعدني في الدخول إلى معهد السينما وساندني خلال فترة التدريب والاستعداد قبل خوض امتحان القدرات ؛ لذلك لم أتردد وحددت له موعدًا فوريًا في مكتبي بقصر السينما ؛ وبعد نحو ربع ساعة فقط كان أمامي.
عرفت فيما بعد أنه كان يتحدث معي من المركز الثقافي الفرنسي بالمنيرة ذلك الحي القريب من حي جاردن سيتي فلم يكن وصوله مستغربًا من حيث المسافة لكن ما إن دخل مكتبي حتى أدركت أن الأمر أكبر مما توقعت.
دخل أحمد عاطف غاضبًا ؛ عرضت عليه أن يتناول شيئًا لكنه رفض أي مشروب ولم يرغب حتى في كوب ماء ؛ كان واضحًا أن هناك شيئًا يشغله شيئًا أثقل من أن يسمح له بالجلوس بهدوء أو تبادل المجاملات ..
قلقت وسألته:
— ماذا بك؟
أجاب في ضجر وكأنه ما زال غير قادر على تصديق ما حدث :
— تامر أنا عضو لجنة تحكيم في مهرجان المركز الثقافي الفرنسي للسينما وفوجئت النهارده إن فيه مشاركة إسرائيلية… تصوّر !؟ 
نظرت إليه وقلت:
— وبعدين؟
فرد بسرعة:
— ولا قبلين انسحبنا كلنا وكل الأفلام المصرية انسحبت ..
هنا بدأت الصورة تكتمل أمامي فلم أكن أرى فقط أزمة أو انسحابًا أو مهرجانًا تعطل ولكني رأيت فرصة ؛ كانت الفكرة قد لمعت في رأسي فجأة ؛ لماذا لا نقيم المهرجان في قصر السينما؟
وقبل أن أنطق بها سبقني أحمد عاطف إليها وقالها ببساطة وكأنه كان يفكر فيها في اللحظة نفسها:
— طب ما نعمله هنا… في قصر السينما ايه رأيك ؟
وهكذا ولدت الفكرة ولم تكن هناك اجتماعات طويلة ولا أوراق رسمية ولا لجان تحضيرية !! مجرد رجل غاضب دخل مكتبي ومهرجان فقد أفلامه المصرية وفكرة ظهرت في لحظة ..
لكنني لم أكتفِ بالفكرة استأذنت وخرجت من الغرفة وأمسكت الهاتف واتصلت بياسر شبل مدير مكتب وزير الثقافة آنذاك الفنان فاروق حسني طالبًا مقابلته ؛ حاول ياسر أن يعرف مني سبب الطلب ؛ في البداية حاولت أن أراوغ لكنه ظل يضغط عليّ حتى اضطررت إلى أن أحكي له الموضوع باختصار : انسحاب الأفلام المصرية من مهرجان المركز الثقافي الفرنسي والظروف التي أدت إلى ذلك وفكرة إقامة مهرجان بديل في قصر السينما.
استمع إليّ ثم أنهى المكالمة بطريقة زادت من حيرتي بدلًا من أن تبددها حيث قال:
— استني جنب التليفون الأرضي !!
أغلقت السماعة وعدت إلى مكتبي ولم أعرف ما الذي ينتظرني ولم تمر خمس دقائق حتي رن الهاتف الأرضي
فرفعت السماعة وكان ياسر شبل مرة أخرى لكن صوته هذه المرة كان مختلفًا مقتضبًا وحاسمًا لا مجال فيه للأسئلة أو التفسيرات.
قال لي بالنص:
— الساعة ٨ تكون عند الوزير في البيت… من غير ما حد خالص يعرف وتجيب معاك تصميم أفيش المهرجان وتكون ألوانه زرقاء !!
جلست للحظات أفكر في سرعة الأحداث ؛ كان كل شيء يحدث كأنه مشهد سينمائي متلاحق ؛ عندها فقط أدركت أن ما بدأ صباح ذلك اليوم كغضب لدى أحمد عاطف لم يعد مجرد احتجاج على مشاركة إسرائيلية في مهرجان بل انه  بدأ يتحول إلى حكاية أخرى ؛ حكاية مهرجان جديد مهرجان وُلد من موقف ومن غضب ومن فكرة خرجت في اللحظة المناسبة…
وربما كان أكثر ما يثير الدهشة أنني، وأنا أستعد للذهاب إلى لقاء الوزير، لم أكن أعرف بعد إلى أين ستأخذنا تلك الفكرة التي بدأت في مكتبي بقصر السينما في جاردن سيتي.
كل ما كنت أعرفه أن عليّ أن أكون في الثامنة وألا اصطحب معي أحدًا وأن أحمل أفيشًا أزرقاً لمهرجان لم يكن موجودًا قبل ساعات قليلة !! وللحديث بقية ..

تم نسخ الرابط