عاجل

د. جابر طايع يكتب: «أمة الإبداع والابتكار»

د. جابر طايع
د. جابر طايع

بمناسبة انطلاق موسم دراسي لعام جديد، نستهله بالتذكير بإعمال العقل وإطلاق طاقات التفكير؛ فالإبداع يبدأ من إعمال العقل، ولا يكتفي بتكرار المألوف، وإنما من عقل يتأمل ويسأل، ويبحث عن الأفضل.

وقد أقام القرآن الكريم دعوته على إعمال العقل والنظر والتدبر، ودرب النبي أصحابه على السؤال والمناقشة والاجتهاد. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، وقال جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ﴾، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

ولم يكتفِ القرآن الكريم بإباحة التفكر، بل جعله الله تعالى عبادةً وصفةً لأولي الألباب، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.

وكل هذا يدفع الإنسان إلى التدبر والنظر في الكون المفتوح عبر كتاب الله المقروء، والإبداع في استحداث وسائل الانتفاع بكل ما خلق الله فيه.

ومن أروع الابتكارات الهندسية والتقنية: قصة ذي القرنين في بناء السد، حين طلب من القوم مواد الصنعة، وابتكر طريقة صهر المعادن: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ … آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾، فهذه معالجة تقنية مبتكرة لم تكن لتُذكر إلا بوحي التجربة والعقل الذي أودعه الله فيه.

ومنها صنعة داود عليه السلام: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ﴾، و*﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾*؛ أي: اجعل الدروع واسعة، وأحسن تقدير حلقها، وهذا توجيه إلى الدقة المتناهية والابتكار في الصناعات الدفاعية.

وقصة سليمان في نقل عرش بلقيس، ملكة سبأ، حيث تبارى أهل مجلسه في اقتراح الحلول، فقال: ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾. وهنا تظهر قيمة التنافس المشروع بين أصحاب الأفكار.

ويتضح من قصة يوسف عليه السلام الاقتصادية، حين سُئل عن تأويل الرؤيا، أنه لم يكتفِ بالتفسير المجرد للرؤيا، بل ابتكر خطة تنموية متكاملة لإدارة الأزمة: زراعة سبع سنين متتالية، وترك الحصاد في سنبله لحفظه من التلف، ثم استهلاك مدروس في سنوات الجدب. وهذا نموذج قرآني فريد ورفيع للتخطيط الابتكاري القائم على اجتهاد بشري لم يرد فيه نص قرآني سابق بالتفصيل.

وكذلك سفينة نوح عليه السلام: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، وكانت أول سفينة تُصنع، فكان فيها إرساء مبدأ الابتكار التقني حين تدعو الحاجة إليه.

ولما بعث رسول الله معاذ بن جبل إلى اليمن، قال له: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» قال: «أقضي بكتاب الله». قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟» قال: «أجتهد رأيي ولا آلو». فقال صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله».

وهذا دليل واضح على مشروعية الاجتهاد وإعمال النظر فيما لا نص فيه.

تم نسخ الرابط