تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في توقيت بالغ الأهمية ليس فقط باعتبارها أول زيارة له إلى القاهرة منذ عشر سنوات وإنما لأنها تتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية بما يمنحها دلالة سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود الزيارة التقليدية.
اقتصاديًا تمثل الصين أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر وتفتح الزيارة الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون تقوم على الاستثمار والإنتاج ونقل التكنولوجيا وليس فقط زيادة حجم التجارة. فقد تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 20 مليار دولار خلال عام 2025 بينما تتزايد الاستثمارات الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس بما يعزز قدرة مصر على التحول إلى مركز صناعي ولوجستي يخدم أسواق إفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
والأهم أن المرحلة المقبلة يمكن أن تشهد توسعاً في توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا خاصة في مجالات السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة وتخزين الطاقة والإلكترونيات والاتصالات والذكاء الاصطناعي. وهذه المجالات تتفق بصورة مباشرة مع احتياجات الاقتصاد المصري ورؤية الدولة للتنمية كما تمنح مصر فرصة لزيادة الصادرات وتقليل فاتورة الاستيراد وخلق فرص عمل جديدة.
كما تمثل قناة السويس والمنطقة الاقتصادية عنصرًا محوريًا في الشراكة المصرية الصينية فالموقع الجغرافي لمصر يجعلها حلقة وصل استراتيجية بين آسيا وإفريقيا وأوروبا وهو ما يمنح الاستثمارات الصينية في مصر قيمة تتجاوز السوق المصرية إلى الأسواق الإقليمية.
وسياسيًا تحمل الزيارة رسائل بالغة الأهمية. فمصر والصين تتفقان على أهمية احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية كما يتعاون البلدان في ملفات إقليمية ودولية متعددة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وأمن البحر الأحمر والأزمات العربية والإفريقية. وتأتي الزيارة في ظل تحولات دولية وإقليمية متسارعة ما يجعل التنسيق بين القاهرة وبكين أكثر أهمية في صياغة مواقف متوازنة تجاه القضايا الدولية.
كما تؤكد الزيارة أن مصر تنتهج سياسة خارجية تقوم على تنويع الشراكات الدولية وعدم حصر علاقاتها الاستراتيجية في اتجاه واحد. فالتعاون مع الصين لا يعني استبدال شريك بآخر وإنما توسيع دائرة المصالح المصرية وتعظيم قدرة الدولة على الحركة واتخاذ القرار المستقل.
أما ثقافيًا وحضارياً فإن العلاقات المصرية الصينية تمتلك جذورًا أعمق من المصالح السياسية والاقتصادية فمصر والصين من أعرق الحضارات الإنسانية وقد جمع بينهما تاريخ طويل من التبادل التجاري والثقافي عبر طرق التجارة القديمة. واليوم يمكن تحويل هذا الإرث إلى قوة ناعمة من خلال زيادة التبادل الثقافي وتعليم اللغات والمنح الدراسية والتعاون الجامعي والعلمي وتشجيع السياحة والتواصل بين الشعوب.
في النهاية، فإن زيارة الرئيس شي جين بينج ليست مجرد زيارة رسمية وإنما محطة جديدة في مسار شراكة استراتيجية عمرها سبعة عقود. والرهان الحقيقي بعد الزيارة هو تحويل الاتفاقات والرسائل السياسية إلى مشروعات وفرص عمل واستثمارات وتكنولوجيا وصادرات بحيث يشعر المواطن المصري بالعائد المباشر لهذه الشراكة.
إن مصر والصين أمام فرصة تاريخية للانتقال من شراكة المصالح إلى شراكة صناعة المستقبل شراكة تقوم على الاقتصاد والإنتاج والمعرفة والثقافة وتمنح البلدين مساحة أوسع للتعاون في عالم تتغير موازين القوة فيه بصورة متسارعة.