عاجل

مصر ليست أكبر دول العالم مساحةً، ولا أغناها مواردً، ولا أقواها اقتصادًا، لكنها بلا شك واحدة من أكثر دول العالم ثراءً وتنوعًا في تراثها، وصاحبة واحدة من أطول التجارب الحضارية المتصلة عبر التاريخ. فمنذ نشأة الدولة المصرية القديمة وحتى يومنا هذا، تركت الأجيال المتعاقبة على هذه الأرض تراثًا هائلًا لا يتمثل فقط في المعابد والمقابر والكنائس والمساجد، بل يمتد إلى المدن التاريخية والمخطوطات والحرف والمعارف والتقاليد والفنون والاحتفالات وطرائق الحياة. ولهذا لا يمثل التراث بالنسبة إلى مصر قطاعًا هامشيًا، بل أهم مصادر هويتها وقوتها وخصوصيتها.

وتتعامل منظمة اليونسكو مع التراث الثقافي المادي وغير المادي بوصفهما مكوّنين متكاملين لمنظومة ثقافية واحدة. وينعكس هذا التكامل في اتفاقية التراث العالمي لعام 1972، التي تُدرَج بموجبها المواقع الأثرية والتاريخية ذات القيمة العالمية الاستثنائية، واتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003، التي تُوثق الممارسات والمعارف والتقاليد والمهارات المتوارثة؛ فلكل نوع أدواته وقوائمه، لكنهما يظلان متصلين في التعبير عن ذاكرة المجتمعات وهويتها الثقافية.

المعلومة صحيحة من حيث العدد، لكن بداية الفقرة غير دقيقة: مصر لديها سبعة مواقع مدرجة إجمالًا، وليست سبعة مواقع أثرية بالإضافة إلى وادي الحيتان. وهي ستة مواقع ثقافية وموقع طبيعي واحد. كذلك الأفضل استخدام «عناصر مدرجة» بدلًا من «عناصر مسجلة».

والصياغة المصححة هي:

وتضم قائمة التراث العالمي سبعة مواقع مصرية: ستة مواقع ثقافية هي منف ومقبرتها ومنطقة الأهرام من الجيزة إلى دهشور، وطيبة القديمة ومقبرتها، ومعالم النوبة من أبو سمبل إلى فيلة، والقاهرة التاريخية، ومنطقة أبو مينا، ومنطقة سانت كاترين؛ إلى جانب موقع طبيعي واحد هو وادي الحيتان في الفيوم ــ ولنا حول هذا حديث آخر. وفي المقابل، تضم قوائم التراث الثقافي غير المادي أحد عشر عنصرًا مصريًا، بعضها مدرج في ملفات مشتركة مع دول أخرى، وهي: السيرة الهلالية، والتحطيب، والأراجوز، والنسيج اليدوي في صعيد مصر، والخط العربي، والاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة، والمعارف والمهارات والتقاليد والممارسات المرتبطة بالنخيل، وفنون ومهارات النقش على المعادن، وصناعة آلة السمسمية والعزف عليها، والحناء وما يرتبط بها من طقوس وممارسات جمالية واجتماعية، والكشري والممارسات المرتبطة به بوصفه طبقًا من أطباق الحياة اليومية.

لكن هذه العناصر المدرجة لا تمثل إلا جزءًا بالغ الصغر من التراث الثقافي المصري. ففي كل قرية ومدينة وواحة ومنطقة ساحلية مخزون هائل من الحكايات والأغاني والأمثال والاحتفالات والمواسم والممارسات الاجتماعية والمعارف البيئية وأساليب الزراعة والصيد والملاحة والطهي، فضلًا عن الحرف التقليدية والمهارات المتوارثة، وطقوس الميلاد، والزواج والموت. ومن المستحيل اختزال هذا التنوع في عدد محدود من العناصر المسجلة أو الملفات الدولية.

وتبدو المفارقة واضحة عند مقارنة أساليب حماية التراث المادي بصون التراث غير المادي. فحماية الأثر المادي، رغم ما تواجهه من تحديات، تقوم على أدوات واضحة نسبيًا. يمكن تسجيل المبنى أو الموقع، وتحديد حدوده، وفرض حرم له، ومنع هدمه أو الاعتداء عليه، وتنظيم أعمال الحفر والترميم، وملاحقة المخالفين، وتخصيص حراسة وميزانية للصيانة. كما يمنح قانون حماية الآثار المجلس الأعلى للآثار سلطات مباشرة في التسجيل والتفتيش والترميم وضبط المخالفات وإدارة المواقع.

أما التراث غير المادي فلا يمكن حمايته بالطريقة نفسها؛ فهو موجود في ذاكرة الناس ومهاراتهم وممارساتهم، ولا يستمر إلا إذا ظلوا يمارسونه وينقلونه إلى أبنائهم. وقد يمكن ترميم مبنى بعد تعرضه للتلف، لكن وفاة آخر شخص يتقن حرفة أو يحفظ رواية شفوية قد تعني ضياع معرفة تراكمت عبر أجيال ولا يمكن استعادتها.

ولا تملك وزارة الثقافة، في هذا المجال، سلطة تماثل سلطة وزارة السياحة والآثار. فلا يمكنها أن تُلزم أسرة بتعليم أبنائها حرفة تقليدية، أو تجبر جيلًا جديدًا على حفظ سيرة شعبية، أو تمنع مجتمعًا من التخلي عن عادة أو احتفال. كما أن التوثيق، على أهميته، لا يكفي؛ فتسجيل أغنية بالصوت والصورة لا يضمن استمرار غنائها، وتصوير الحرفي أثناء العمل لا يحافظ على الحرفة إذا لم يجد من يتعلمها أو سوقًا تضمن له حياة كريمة.

من ناحية أخرى فإن الفصل بين التراث المادي وغير المادي يؤدي إلى إضعافهما معًا. ففي القاهرة التاريخية، على سبيل المثال، لا تستمد المساجد والبيوت والأسواق قيمتها من عمارتها وحدها، بل من الحرف والحكايات والممارسات والعلاقات الاجتماعية التي تشكلت حولها. فإذا رُممت المباني، بينما اختفى الحرفيون وغادر السكان وتراجعت الوظائف التقليدية، نكون قد حافظنا على الهياكل المادية وفقدنا جانبًا كبيرًا من روح المكان. 

لذلك، تحتاج مصر إلى استراتيجية وطنية موحدة للتراث الثقافي المصري الجهات المختلفة تعمل وفق مفهوم واحد وأهداف مشتركة.وينبغي أن تبدأ هذه الاستراتيجية بتعريف وطني شامل للتراث يضم الآثار والمباني التاريخية والمتاحف والمخطوطات والوثائق والتراث غير المادي والحرف والمشاهد الثقافية والتراث الصناعي والبحري والريفي. كما يجب ان يقوم على هذه الاستراتيجية مجلس وطني أعلى للتراث، يضم الجهات الحكومية المعنية والجامعات والخبراء والمجتمعات المحلية والحرفيين ومؤسسات المجتمع المدني، ويتولى وضع السياسات ومتابعة تنفيذها وحل التعارض بين اختصاصات المؤسسات المختلفة.

وتحتاج الاستراتيجية كذلك إلى قاعدة بيانات وطنية موحدة تربط المواقع المادية بما يرتبط بها من ممارسات ومعارف ومجتمعات، وإلى برنامج عاجل لحصر العناصر المعرضة للاندثار قبل فوات الأوان. ويجب أن تتضمن خططًا للتعليم والتدريب ونقل المعرفة، وصناديق لدعم الممارسين، وحوافز لاستمرار الحرف، ومؤشرات تقيس حيوية التراث وانتقاله بين الأجيال، لا مجرد عدد العناصر الموثقة أو الفعاليات التي تُنظم حولها.

والأهم أن تقوم الاستراتيجية على مشاركة أصحاب التراث أنفسهم. فالدولة تستطيع أن توفر التشريع والتمويل والخبرة، لكنها لا تستطيع صون تراث حي من دون المجتمعات التي تحمله. كما ينبغي ألا يتحول الإدراج في قوائم اليونسكو إلى غاية في ذاته، بل إلى وسيلة تدعم برامج الصون على المستوى الوطني والمحلي.

إن فقدان مبنى أثري خسارة جسيمة، لكن فقدان اللغة الثقافية التي تمنحه معناه لا يقل خطورة. وإذا فقد المصريون أغانيهم وحكاياتهم وحرفهم ومعارفهم وطرائق تعبيرهم، فلن يفقدوا مجموعة من المظاهر الشعبية فحسب، بل سيفقدون جزءًا من ذاكرتهم وقدرتهم على فهم أنفسهم والاستمرار بوصفهم مجتمعًا له شخصية متفردة.

لقد حان الوقت للانتقال من إدارة أجزاء متناثرة من التراث إلى صون منظومة ثقافية متكاملة. فالتراث المصري ليس ملكًا لوزارة أو مؤسسة، بل حق مشترك للمصريين جميعًا ومسؤولية تجاه الأجيال القادمة. ومن ثم، فإن وضع استراتيجية وطنية موحدة له ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة تمس الأمن الثقافي والهوية الوطنية ومستقبل المجتمع نفسه.

تم نسخ الرابط