أكيد لا أحد يحب النصابين أو هكذا نحب أن نعتقد عن أنفسنا، لأن النصاب في خيالنا رجل واضح الملامح كثير الكلام يبتسم أكثر مما ينبغي مثلا، ويقدم وعودًا أكبر من إمكاناته ونكتشفه عادة بعد فوات الأوان. لكن الحقيقة الأكثر إزعاجًا أن النصاب الذي ينجح في خداعنا ليس بالضرورة شخصًا نكرهه، بل قد يكون شخصًا نعجب به ونثق فيه ونستمع إليه باهتمام وربما ندافع عنه أيضًا، إلى أن نكتشف أنه لم يكن يبيع لنا الحقيقة وإنما كان يبيعنا شيئًا نحب أن نصدقه.
النصاب المحترف لا يبدأ بسرقة المال بل يبدأ بسرقة الشك، وأكيد طبعا لا يقول لك أنا نصاب، وإنما يقدم نفسه بالصورة التي تمنحك الطمأنينة مثال، رجل أعمال وصاحب علاقات وخبير اقتصادي اجتماعي فذ، أو شخص "يعرف ناس فوق". هو كمان في الحقيقة لا يحتاج إلى أن يثبت لك كل شيء، كفاية أن يمنحك سببًا صغيرًا يجعلك تتوقف عن السؤال.
لكن ما يجعل عملية النصب أكثر خطورة هو أن الاحتياج أحيانًا أقوى من العقل، وعندما يكون الإنسان في حاجة شديدة إلى المال أو النمو أو التطور، أو في الأساس يبحث عن وظيفة أو حل لمشكلة، فإنه لا يبحث دائمًا عن الحقيقة كاملة وإنما يبحث عن مخرج، والنصاب الذكي يعرف ذلك جيدًا وهو لا يبيع للجميع الشيء نفسه بل يبيع لكل شخص ما يحتاج إليه.
واحد يحتاج المال والثاني يحتاج فرصة وثالث يريد مستقبلًا أفضل لأولاده ورابع يحلم بالخروج من الضيق ولا يحتمل. لكل واحد باب والنصاب يبحث عن الباب المناسب لكل شخص.
والأخطر أن النصاب لا يخيف ضحيته دائمًا بل يريحها ويمنحها إحساسًا بأن الأمور أصبحت تحت السيطرة، وأنها أخيرًا وجدت الشخص الذي يعرف الطريق، الذي يجيب على ما يدور في ذهنك قبل أن تسأل، ويطمئنك قبل أن تقلق ويكرر أن كل شيء منطقي وفي سياقه ومع كل جملة طمأنة تتراجع مساحة الشك قليلًا.
فالإنسان عندما يشعر بالراحة لا يتحقق بالقدر نفسه الذي يتحقق به عندما يشعر بالخطر. وهنا تتحول الراحة إلى ثقة، والثقة إلى قرار ثم يصبح التراجع عن القرار أصعب من اتخاذه.
ومن هنا نفهم جاذبية الثراء السريع الذي يجعل الإنسان لا يحلم دائمًا بأن يصبح غنيا، لكنه يريد أن تتحسن حياته بسرعة وأن يجد الطريق الأقصر للخروج من أزمته. لذلك قد تبدو له فرصة بعائد كبير أكثر إغراءً من مشروع منطقي يحتاج إلى سنوات، والنصاب يعرف كيف يجعل المخاطرة تبدو صغيرة والربح يبدو قريبًا والخسارة تبدو بعيدة.
وهنا تظهر الجملة التي تبدو بريئة: خلينا نجرب، لكنها قد تكون أحيانًا أغلى جملة في قاموس الخسائر.
ولا يعني ذلك أن ضحية النصب ساذج أو قليل الذكاء. قد يكون متعلمًا ومثقفًا وصاحب خبرة وربما شديد الذكاء في عمله. فالذكاء لا يمنح الإنسان حصانة ضد الوهم لأن الإنسان لا يتخذ قراراته بالعقل وحده، أحيانًا يتدخل الطمع والخوف مع الأمل وطبعا الرغبة في اختصار الطريق.
ولهذا يتكرر نموذج المستريح من وقت إلى آخر، ويظهر في محافظة ثم أخرى مستفيدًا من شبكة من العلاقات والصور والسمعة الاجتماعية. لا يبدأ من الصفر بل يبدأ من ثقة صنعها الآخرون حوله. صورة مع شخصية معروفة أو معرفة بشخصية مؤثرة أو مجرد جملة "ده قريب أو نسيب أو يعرف فلان" قد تصبح عند البعض بديلًا عن السؤال: أين المستند؟ وكيف يحقق هذا العائد؟
وهكذا تتحول المعرفة الاجتماعية إلى شهادة ضمان مع أنها ليست كذلك.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتسرّع صناعة الصورة. مكتب أنيق ومتابعون كثيرون وصور مع شخصيات معروفة، وعبارات عن النجاح والطموح وقد يصبح عدد المتابعين عند البعض أشبه بشهادة نزاهة، مع أنه في الحقيقة مجرد عدد ولكنها دائرة مكتملة من الوهم: شخص يقنع الناس بأنه ناجح ثم نستخدم شهرته دليلًا على نجاحه.
المشكلة إذن ليست في النصاب وحده وإنما في البيئة التي تمنحه فرصة النجاح. هو فقط يحتاج إلى شخص محتاج ويحلم بالثراء السريع وشخص يمنحه الثقة بسبب علاقاته وشخص يرفض أن يسأل حتى لا يبدو شكاكًا.
الثقة قيمة إنسانية لا يمكن أن نعيش من دونها لكنها ليست بديلًا عن التحقق. أن أثق بك لا يعني أن أعطيك عقلي، وأن أحترمك لا يعني أن أتوقف عن السؤال وأن تعرف أشخاصًا مهمين لا يعني أن أموالك أو وعودك أصبحت مضمونة.
وربما لهذا كان النصاب الذي نحبه أخطر من النصاب الذي نخاف منه. نحن لا نحبه لأنه نصاب وإنما لأن صورته تمنحنا شيئًا نريده: المال الأمان الفرصة أو الوعد بحياة أسهل.
النصاب يحتاج إلى ضحية لكنه يحتاج قبلها إلى بيئة تصدقه.
ولذلك ربما لا يكون السؤال الأصعب: كيف استطاع النصاب أن يخدع كل هؤلاء؟
السؤال الأصعب هو: كيف اجتمع كل هؤلاء من دون أن يقصدوا ليجعلوا خداعهم ممكنًا؟