غضب متصاعد بلا انتفاضة.. ماذا يحدث في الضفة الغربية؟
رغم التقديرات الإسرائيلية التي حذرت خلال الأيام الأخيرة من احتمال اندلاع تصعيد واسع في الضفة الغربية، بفعل تصاعد هجمات المستوطنين، فإن مصادر فلسطينية عدة نفت وجود مؤشرات فعلية على توجه الشارع نحو انتفاضة جديدة أو مواجهة واسعة، مؤكدة أن حالة الغضب والإحباط تتزايد، لكن من دون أن تتحول حتى الآن إلى حراك شعبي منظم.
وكانت تقييمات داخل الجيش الإسرائيلي قد حذرت من أن وقوع حادث عنيف على يد مستوطنين يسفر عن مقتل عدد كبير من الفلسطينيين قد يؤدي إلى تغيير الواقع على الأرض ويدفع إلى دوامة جديدة من العنف.
وتضمن أحد السيناريوهات التي جرى بحثها احتمال تدخل عناصر من الأجهزة الأمنية الفلسطينية وتوجيه أسلحتهم نحو إسرائيل، في حال تصاعدت الأحداث إلى مستوى معين، بحسب ما أوردته صحيفة «هآرتس» العبرية.
لكن مسؤولين فلسطينيين، بينهم نشطاء وقيادات في حركة فتح، قالوا للصحيفة إنه رغم موجة الهجمات العنيفة التي ينفذها المستوطنون في الضفة الغربية، لا توجد حاليًا حالة شعبية توحي بقرب اندلاع انتفاضة، كما لا تظهر مؤشرات على تنظيم حركة شعبية واسعة بهذا الاتجاه، ولا توجد دلائل على أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية تستعد لسيناريو ثوري أو للتحرك ضد إسرائيل، خلافًا لبعض التقديرات الإسرائيلية.
وقال ناشط بارز في حركة فتح إن «الغضب موجود، وهو عميق»، مشيرًا إلى أن الشعور بانعدام الأمن يتزايد، وأن عنف المستوطنين وتدمير الأراضي والقيود والاعتقالات والصعوبات الاقتصادية، كلها عوامل تسهم في ترسيخ الإحساس بأن الحياة أصبحت أكثر صعوبة.
لكنه شدد على أن «ثمة فرقًا شاسعًا بين الغضب والانتفاضة».
بين الغضب والعجز عن التحرك
ويرى الناشط أن الوضع في الضفة الغربية يعكس مفارقة واضحة؛ ففي الوقت الذي تضع فيه إسرائيل بصورة متزايدة سيناريوهات يمكن أن تؤدي إلى إشعال الوضع، يبدو المجتمع الفلسطيني نفسه أقل استعدادًا للدخول في مواجهة واسعة.
ولا يعود ذلك، بحسب رأيه، إلى أن الفلسطينيين تصالحوا مع الواقع القائم، وإنما إلى أن كثيرين منهم لم يعودوا يؤمنون بقدرتهم، أو بقدرة القيادة والفصائل، على تحويل الغضب المتراكم إلى تحرك سياسي أو شعبي ذي أهداف واضحة.
وفي ظل هذه الظروف، باتت المقاومة بالنسبة إلى قطاعات من المجتمع تختزل بدرجة كبيرة في صراع يومي من أجل البقاء.
وتقول «هآرتس» إن غياب انتفاضة واسعة النطاق رغم الظروف الصعبة في الضفة الغربية ليس مسألة بسيطة، ولا توجد إجابة واحدة يتفق عليها الفلسطينيون بشأن الأسباب التي تحول دون انفجار الوضع.
وقال ناشط من حركة فتح في منطقة نابلس إن «الخوف جزء لا يتجزأ من المشهد»، موضحًا أن الأمر لا يتعلق فقط بالخوف الشخصي من الجنود أو الاعتقال أو إطلاق النار، بل إن قطاع غزة أصبح خلال السنوات الثلاث الماضية محورًا أساسيًا في الوعي الفلسطيني داخل الضفة الغربية.
وأضاف أن الصور القادمة من غزة تمثل، بالنسبة إلى كثيرين، دليلًا على ما يمكن أن يحدث إذا انجرت الضفة الغربية إلى صراع واسع النطاق.
وبحسب الناشط، لم يعد الدمار والقتل والثمن الباهظ الذي يدفعه المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة يُنظر إليه على أنه واقع يحدث في مكان آخر، بل تحول إلى عامل ردع يؤثر في سلوك الفلسطينيين في الضفة الغربية.
وأشار إلى أن المواطن الفلسطيني يأخذ في الاعتبار أيضًا احتمال أن يؤدي تدهور الوضع الأمني إلى مزيد من السيطرة الإسرائيلية على الضفة، وتقليص المساحة المتاحة للحياة المدنية، بل وحتى تهجير السكان.
قدورة فارس: الوضع خطير.. لكن الانتفاضة ليست وشيكة
وقال قدورة فارس، وهو شخصية بارزة في حركة فتح وقاد الانتفاضتين الأولى والثانية، لـ«هآرتس»، إن الوضع في الضفة الغربية خطير ليس فقط بسبب عنف المستوطنين، وإنما أيضًا لأن الفلسطينيين باتوا مقتنعين بأن ما يحدث يمثل سياسة تتبناها الحكومة الإسرائيلية، رغم محاولات مسؤولين إسرائيليين إدانة عنف المستوطنين أو التحذير من تداعياته.
وأكد فارس، الذي كان أحد قادة النضال الشعبي السلمي بعد الانتفاضة الثانية، أن عدم وجود انتفاضة شعبية واسعة النطاق في الوقت الحالي لا يعني بالضرورة وجود استقرار طويل الأمد.
وقال إن الفلسطينيين ما زالوا ينتظرون حدوث تغيير، سواء داخل إسرائيل، بما في ذلك من خلال الانتخابات، أو عبر ضغوط دولية تهدف إلى كبح جرائم المستوطنين.
ويستعيد فارس وغيره من أبناء جيله مشاهد الانتفاضتين الأولى والثانية، عندما كانت آليات التعبئة الشعبية أكثر وضوحًا، وشملت أيام غضب ومظاهرات واحتجاجات شاركت فيها أعداد كبيرة من الفلسطينيين، تحت رعاية الفصائل، وفي مقدمتها حركة فتح.
لكن المشهد الحالي مختلف بدرجة كبيرة، في ظل حالة عميقة من انعدام الثقة في القيادة والفصائل السياسية والسلطة الفلسطينية نفسها.
وبحسب مصادر تحدثت إليها الصحيفة، فإن السلطة الفلسطينية لا تسمح في الوقت الحالي بنشوء حركة شعبية واسعة، بل تحاول إقناع الأطراف المختلفة، بما في ذلك إسرائيل والولايات المتحدة، بأنها لا تزال قادرة على السيطرة على الأراضي ومنع تدهور الوضع.
ومع ذلك، يحذر فارس من أن المجتمع الفلسطيني لا يمكن أن يتحمل الضربات إلى ما لا نهاية.
وقال: «لا يتوقع من شعب يعاني من الاحتلال والقمع أن يبقى سلبيًا إلى الأبد».
وأضاف أنه إذا لم يحدث تغيير داخل إسرائيل أو من خلال ضغط دولي، فإن مشاعر الغضب والخوف والإحباط وانعدام الثقة يمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى ردود فعل، لكنه أقر بأنه لا أحد يستطيع معرفة شكل هذه الردود أو توقيت حدوثها.
الفصائل تحت الضغط
وفي المقابل، ترى مصادر من حركتي حماس والجهاد الإسلامي في الضفة الغربية أن ضعف القدرة على إطلاق انتفاضة واسعة يعود بدرجة كبيرة إلى الضرر المستمر الذي تلحقه إسرائيل بالبنية التنظيمية للفصائل.
وقال مسؤول أمني فلسطيني إن هذه الفصائل تتعرض لضغوط شديدة، تشمل اعتقال عناصرها واستجوابهم، وتدمير بنيتها التحتية، وتجفيف مصادر تمويلها، بالتزامن مع القيود التي تفرضها السلطة الفلسطينية عليها.
لكن التغير، وفق «هآرتس»، لا يقتصر على فصائل المعارضة، إذ فقدت حركة فتح، التي كانت لعقود القوة السياسية المركزية في المجتمع الفلسطيني، جزءًا كبيرًا من نفوذها.
وقال مسؤول رفيع إن «في نظر قطاعات واسعة من الجمهور، فإن حركة فتح عاجزة حاليًا عن قيادة نضال وطني جديد».
وأوضحت الصحيفة أن فتح أصبحت جزءًا لا يتجزأ من النظام الحكومي للسلطة الفلسطينية، إذ يعمل العديد من أعضائها موظفين في مؤسسات السلطة، فيما يرتبط كثير منهم بالأجهزة الأمنية.
وتخضع هذه الأجهزة لإشراف إسرائيلي مستمر، إلى جانب علاقاتها وتعاونها مع أجهزة أمن واستخبارات دولية.
وقال ضابط في الأجهزة الأمنية الفلسطينية لـ«هآرتس» إن هذه المسألة «لا يتم الحديث عنها كثيرًا»، لكن الأجهزة تخضع لرقابة وإشراف دقيقين من رؤساء المخابرات وغيرها من أجهزة الاستخبارات.
وأضاف أن هناك تغييرات وتحركات وإشرافًا مستمرًا، ما يجعل الحديث عن وجود بنية تحتية قادرة على تنظيم نفسها بشكل مستقل لقيادة حركة واسعة أمرًا بالغ الصعوبة.
هل يمكن أن تنقلب الأجهزة الأمنية؟
ومع ذلك، تشير الصحيفة إلى أن أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية ليسوا منفصلين عن المجتمع الذي يعيشون فيه، فهم جزء منه ويواجهون الضغوط الاقتصادية والاجتماعية نفسها.
ويواجه أفراد الشرطة والأجهزة الأمنية ظروفًا مالية صعبة، تشمل صعوبة سداد القروض، وتلقي رواتب جزئية، إلى جانب الضغوط العائلية والمعيشية.
وقد يجد الضابط الذي يعيش هذه الظروف نفسه أمام مأزق حقيقي، وهو ما يفتح تساؤلات حول مدى إمكانية أن تتحول هذه الضغوط مستقبلًا إلى دافع للتحرك أو الانتقام أو الخروج عن النظام.
وتقول الصحيفة إن الإجابة عن هذا السؤال لا تزال غير واضحة.
وفي السلطة الفلسطينية، هناك إجماع فعلي، بحسب «هآرتس»، على أن الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة قد تقود إلى وضع يصبح فيه ضباط الشرطة الفلسطينية وأفراد الأجهزة الأمنية وغيرهم من عناصر السلطة أهدافًا مباشرة، وهو ما قد يوفر ذريعة لتوسيع نطاق العنف، وربما الدفع باتجاه خطط للتهجير وتعميق السيطرة الإسرائيلية على الأراضي.
وقال مصدر فلسطيني إن الشعور السائد هو أن الجميع، بما في ذلك السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية والشعب الفلسطيني، لا يريدون الانجرار وراء مصالح المستوطنين والحكومة الإسرائيلية، وإنما ينتظرون التغيير.
وأضاف: «الخوف يكمن في أن هذا التغيير لن يأتي، لا من داخل إسرائيل ولا عبر عوامل دولية، وحينها يستحيل معرفة إلى أين سيقودنا».
الاقتصاد.. عامل آخر خلف حالة الاحتقان
وإلى جانب الاعتبارات الأمنية والسياسية، تشير «هآرتس» إلى عامل أقل دراماتيكية من منظور أمني، لكنه يترك تأثيرًا عميقًا على الحياة اليومية، وهو الظروف المعيشية نفسها.
فالوضع الاقتصادي في الضفة الغربية يتفاقم، مع تراجع فرص العمل في إسرائيل، وانخفاض رواتب موظفي السلطة الفلسطينية، وتراكم الديون، والصعوبات التي يواجهها المزارعون في الوصول إلى أراضيهم.
كما تؤدي نقاط التفتيش والبوابات والطرق الالتفافية إلى تعقيد حركة الفلسطينيين بين مناطق الضفة الغربية، بما يؤثر ليس فقط على حرية التنقل، وإنما أيضًا على قدرة السكان على الوصول إلى أعمالهم وكسب أرزاقهم.
وقال باحث في المجتمع الفلسطيني من الجامعة الأمريكية في جنين إن الشاب الفلسطيني في عام 2026 ليس بالضرورة الشاب نفسه الذي كان موجودًا عامي 2000 أو 1987.
وأوضح أن الشاب الفلسطيني يعيش اليوم في عالم تحكمه شبكات التواصل الاجتماعي وتوفر المعلومات على نطاق واسع، لكنه يعيش في الوقت نفسه تحت نظام أكثر تطورًا من المراقبة والسيطرة.
وأضاف أن الشاب يعرف ما حدث في غزة، ويعرف تكلفة الاعتقال، ويدرك أن نشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن يلفت انتباه قوات الأمن.
وفي الوقت نفسه، لا يرى أمامه أفقًا واضحًا، إذ لم يعد السؤال بالنسبة إليه يقتصر على كيفية النضال، وإنما يمتد إلى ما سيحدث بعد ذلك، ولمن سيكون هذا النضال.
«هل ما زلنا نملك القدرة على الثورة؟»
وتخلص «هآرتس» إلى أن الضفة الغربية لا تبدو حاليًا متجهة نحو انتفاضة منظمة، في ظل غياب قيادة موحدة أو إطار شعبي واسع أو شعور عام واضح بأن الوقت حان لمواجهة شاملة.
وفي إسرائيل، يدور السؤال حول «متى ستندلع الانتفاضة؟»، بينما يبدو السؤال داخل المجتمع الفلسطيني مختلفًا: “هل لا يزال الفلسطينيون يملكون القدرة على الثورة، ومن سيقودهم إذا قرروا القيام بها؟”، وفقا لـ«هآرتس».
وبحسب الصحيفة، فإن المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية لا يقف حاليًا على حافة تمرد، لكنه يعيش تحت ضغط متزايد، فيما تتآكل تدريجيًا آليات ضبط النفس لديه.



