عاجل

حرب الرقائق وخطوط الإمداد. مدحت الشريف يكشف أهمية زيارة الرئيس الصيني لمصر|خاص

الدكتور مدحت الشريف،
الدكتور مدحت الشريف، استشاري الاقتصاد السياسي

أكد الدكتور مدحت الشريف، استشاري الاقتصاد السياسي وسياسات الأمن القومي، أن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر في هذا التوقيت تحمل أهمية كبيرة على المستويين السياسي والاقتصادي، خاصة في ظل التطورات الدولية الراهنة، والحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، وما ترتب عليها من تأثيرات على حركة التجارة العالمية وخطوط الإمداد البحري.

خطوط الإمداد تمثل تهديدًا رئيسيًا للأمن القومي الصيني

وأوضح الشريف لـ"نيوز رووم" أن الصين تأثرت خلال الفترة الأخيرة بالتطورات المتعلقة بالتبادل التجاري وحركة الإمدادات، لافتًا إلى أن الاقتصاد الصيني يعتمد بصورة رئيسية على صادراته إلى الخارج في تنمية الدخل القومي، إلى جانب اعتماده على استيراد المواد الخام من مختلف الدول التي تدخل في الصناعات الصينية.

وأشار إلى أن الاقتصاد الصيني يعد من أكبر الاقتصادات على مستوى العالم، وأن التهديد الرئيسي الذي يمكن أن يواجهه، وكذلك للأمن القومي الصيني، يتمثل في تعطيل خطوط الإمداد.

وأضاف أنه سبق له زيارة الصين عام 2004 خلال نشاط للتعاون بين الجانبين المصري والصيني، ودار نقاش مع مستشار الأمن القومي للحزب الشيوعي الحاكم آنذاك حول أهم أسباب تهديد الأمن القومي الصيني، وكان الرد المباشر هو تهديد خطوط الإمداد.

طريق الحرير بدائل صينية لخطوط التجارة

ولفت الشريف إلى أن الصين بدأت خلال السنوات العشر الماضية في طرح مبادرات مثل طريق الحرير، وغيرها من المبادرات، بهدف إيجاد مسارات أخرى يمكن أن تكون بديلة في بعض الأوقات للتبادل التجاري مع مختلف دول العالم.

وأشار إلى أن الصين تضم نحو مليار و400 مليون نسمة، فيما يرشح البعض وصول العدد إلى مليار و500 مليون نسمة، موضحًا أن عدم وجود أزمات تهدد العمل وسبل المعيشة بالنسبة لهذه الكتلة السكانية يمكن أن يؤدي إلى تداعيات داخلية كبيرة.

حرب تجارية وتكنولوجية بين الصين وأمريكا

وقال الشريف إن زيارة الرئيس الصيني تأتي في توقيت بالغ الصعوبة، بالتزامن مع الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، إلى جانب ما وصفه بصراع غير معلن لكنه واضح أمام العالم في النشاط التجاري، وحرب تجارية واسعة منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما ارتبط بها من رسوم جمركية وعقوبات فرضتها الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية على المنتجات الصينية.

وأضاف أن من بين أوجه الصراع الدائر ما يعرف بحرب الرقائق التكنولوجية المتقدمة، التي تدخل في صناعات الأجهزة الدقيقة والأسلحة، مشيرًا إلى أن هذه التطورات تعد مؤشرات على وجود صراع تجاري حاد بين الصين والولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا.

وأوضح أن عددًا من الدول الأوروبية لا يهتم بصورة كبيرة بالعقوبات نتيجة أن مصالحها القومية تستدعي استمرار التبادل التجاري مع الصين.

إعفاء سلع أفريقية من الجمارك الصينية

وأشار الشريف إلى أن زيارة الرئيس الصيني لمصر تأتي بعد نحو 10 سنوات تقريبًا من آخر زيارة، موضحًا أن الرئيس الصيني ليس من المعتاد أن يخرج في زيارات خارجية متكررة إلى مختلف دول العالم، وهو ما يمنح الزيارة أهمية خاصة.

وأوضح أن الصين أعفت خلال الفترة الماضية مجموعة من الدول الأفريقية من الرسوم الجمركية على بعض السلع، ومنها السلع الغذائية والمواد الخام، بهدف تنمية صادرات هذه الدول إلى السوق الصينية وضمان وجود عنصر جذب لسوق يضم نحو مليار إلى مليار ونصف المليار مواطن.

وأضاف أن هذه الخطوة تمنح الدول الأفريقية ميزة تنافسية تساعدها على استمرار صادراتها، خاصة المواد الخام والحاصلات الزراعية إلى الصين، في ظل العقوبات المختلفة التي تفرضها بعض الدول الأوروبية.

مصر لم تستفد بالكامل من الميزة التنافسية للسوق الصيني

وقال الشريف إن مصر لم تستفد حتى الآن بصورة كاملة من هذه الميزة، مطالبًا بتنمية هذه الفكرة والتفاوض مع الصين بشأن زيادة الصادرات المصرية إليها، ليس فقط في صورة مواد خام، وإنما من خلال منتجات تتضمن مرحلة أو مرحلتين من التصنيع، بما يحقق قيمة مضافة للاقتصاد المصري.

وأوضح أن الصين تضع قواعد تتعلق بوضوح بلد المنشأ ومكوناته، مشددًا على أهمية التزام مصر بهذه القواعد حتى يظل السوق الصيني مفتوحًا أمام المنتجات المصرية دون رسوم جمركية.

وأكد أن مصر في أشد الحاجة إلى زيادة صادراتها وتوفير موارد من العملة الأجنبية.

9.1 مليار دولار حجم التبادل التجاري خلال أول 5 أشهر من 2024

وأشار الشريف إلى أن آخر تقرير اطلع عليه، والصادر عن إحدى مؤسسات الأمم المتحدة، أشار إلى أن حجم التبادل التجاري بين مصر والصين بلغ نحو 9.1 مليار دولار خلال أول خمسة أشهر من عام 2024، بارتفاع قدره نحو 17.7% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2023.

ولفت إلى أن الميزان التجاري لا يزال يميل بصورة كبيرة لصالح الصين، نتيجة ارتفاع حجم الصادرات الصينية إلى مصر مقارنة بالصادرات المصرية إلى السوق الصينية، مؤكدًا الحاجة إلى تنمية الجانب المصري من التبادل التجاري.

منطقة قناة السويس محور مهم للاستثمارات الصينية

وأوضح الشريف أن الصين لديها بالفعل عدد من المشروعات في مصر، وفي مقدمتها تركيزها على المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، باعتبارها فرصة لإقامة مصانع ومراكز لوجستية تشمل تخزين الصناعات تامة الصنع واستقبال المواد الخام.

وأشار إلى أن ذلك يأتي في ظل الأزمات التي شهدتها حركة الملاحة البحرية خلال الفترة الماضية، موضحًا أن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل بالنسبة للصين منطقة تتوسط العالم وبوابة لصادراتها واستيراد المواد الخام من أفريقيا ودول الخليج وبعض دول جنوب آسيا.

تيدا الصينية تضم نحو 200 شركة ومصنع

ولفت الشريف إلى وجود مشروع ضخم لشركة «تيدا» الصينية، التي تعمل كمطور صناعي في المنطقة الجنوبية للهيئة الاقتصادية لقناة السويس بمنطقة العين السخنة.

وأوضح أن المنطقة كانت تواجه مشكلات في بداية إنشائها، منذ ما قبل عام 2011، قبل أن يتم تسهيل هذه المشكلات والاتفاق على آليات لإنهائها، ما ساهم في توسع المنطقة بصورة كبيرة.

وأشار إلى أن منطقة «تيدا» تضم حاليًا نحو 200 شركة ومصنع، وهو ما وصفه بالرقم الكبير، مضيفًا أن حجم استثماراتها يقدر، وفق بعض التقديرات، بأكثر من 4.2 مليار دولار.

مدينة لوجستية باستثمارات مبدئية تصل إلى ملياري دولار

وأضاف الشريف أن الصين تستهدف الحصول على مساحات أخرى، إلى جانب الأراضي الموجودة حاليًا، في مناطق مختلفة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لإنشاء مدينة لوجستية تبلغ مساحتها نحو 3 ملايين متر مربع، بتكلفة مبدئية تقدر بنحو ملياري دولار.

وأشار إلى وجود توجه لتوسعة محطة حاويات لتكون قادرة على استيعاب حجم خطوط الإمداد البحري المرتبطة بالصناعات التي ستقام في هذه المشروعات، إلى جانب استقبال المواد الخام الداخلة في الصناعات الموجودة بالمنطقة.

وأوضح أن التقديرات الأولية تشير إلى قدرة محطة الحاويات على التعامل مع نحو مليوني حاوية، معتبرًا أن هذا الرقم يعكس حجم النشاط المتوقع في هذا الاتجاه.

مركز ذكاء اصطناعي سيادي ضمن مجالات التعاون

وكشف الشريف عن أحد مجالات التعاون الأخرى التي يجري بحثها بين مصر والصين، والمتمثل في إنشاء مركز ذكاء اصطناعي سيادي أو مركزي في مصر.

وأوضح أن هذا المركز يمكن أن يتولى رصد مختلف الأنشطة الموجودة على الأرض، بما يشمل الجوانب العسكرية، والأنشطة على الحدود، والتحركات التجارية والعسكرية والتحركات في المحيط الإقليمي، إلى جانب عمليات تبادل المعلومات وتحليلها.

وأشار إلى أن الصين يمكن أن تساهم في إنشاء هذا المركز من خلال شركة «هواوي»، موضحًا أنه سبق له زيارة الشركة عام 2006 ضمن وفد رسمي من وزارة الاتصالات، واطلع على إمكانياتها.

2000 وحدة من الرقائق التكنولوجية المتقدمة

وقال الشريف إن التقديرات الأولية تشير إلى أن المركز يمكن أن يتضمن نحو 2000 وحدة من الرقائق التكنولوجية المتقدمة التي تصنع في الصين.

وأوضح أن هذه الرقائق تعد من التكنولوجيات المتقدمة التي تدور بشأنها خلافات كبيرة بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا، خاصة فيما يتعلق بصادراتها، مشيرًا إلى أن الصين تستحوذ على جزء كبير من هذه الصناعة عالميًا وتتمتع بتكنولوجيات متقدمة فيها.

وأضاف أن تخصيص هذه التكنولوجيا لمصر يمثل أمرًا تحتاج إليه، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تحاول في المقابل تشكيل كونسورتيوم أو مجموعة من شركاتها لتقديم عرض آخر لمصر بما قد يدفعها إلى الاستغناء عن العرض الصيني.

واشنطن تراقب تنامي التعاون المصري الصيني

وأوضح الشريف أن الولايات المتحدة تنظر بقلق إلى تنامي اهتمام الصين بالتعاون مع مصر، وما تقدمه من مشروعات وحلول في ظل الأزمات الاقتصادية التي تمر بها مصر.

وأشار إلى أن الصين تقدم لمصر العديد من الحلول والمشروعات المشتركة التي يمكن أن تؤدي إلى تعزيز جدوى التعاون المستمر بين البلدين.

ولفت إلى أن مصر عضو في مجموعة «بريكس»، بينما تعد الصين الدولة الأولى في المجموعة من حيث الوزن الاقتصادي والاهتمام بالمجموعة على المستويين الاقتصادي والسياسي.

مشروعات واستثمارات صينية جديدة متوقعة

وأكد الشريف أن زيارة الرئيس الصيني لمصر في هذا التوقيت، بالتزامن مع اقتراب اجتماع مجموعة «بريكس» خلال الشهر المقبل، تعكس اهتمامًا كبيرًا من الجانب الصيني بالزيارة وبرنامجها.

وتوقع الإعلان خلال الزيارة عن عدد من المشروعات، تشمل مشروعات صناعية مشتركة واستثمارات صينية جديدة، خاصة أن الصين، بحسب رؤيته، لا تركز فقط على شراء المشروعات القائمة، وإنما تتجه إلى إنشاء مشروعات جديدة من الصفر، والحصول على الأراضي وضخ استثمارات مباشرة فيها.

مصر تسعى للحفاظ على التوازن بين الصين وأمريكا

وأشار الشريف إلى أن الصين، في ظل التنافس والصراع القائم حاليًا مع الولايات المتحدة الأمريكية، تسعى إلى تنمية علاقاتها مع مصر، بالتزامن مع وجود سياسات مختلفة من الجانبين تستهدف التأثير في اتجاهات العلاقات الدولية.

وأوضح أن هناك مزايا ومنحًا وعلاقات تجارية وضخ أموال وتبادلًا تجاريًا وتكنولوجيات متقدمة وتعاونًا عسكريًا من جانب، في مقابل محاولات من أطراف أخرى لاستخدام أوراق ضغط على مصر لتقليل اعتمادها أو علاقتها التجارية والتكنولوجية والعسكرية مع الجانب الآخر.

وأكد أن مصر تحاول الحفاظ على نوع من التوازن في علاقاتها بين القوتين.

التعاون مع الصين لا يعني التخلي عن الشراكة مع واشنطن

وشدد الشريف على أن مصر حليف للولايات المتحدة الأمريكية، ولديها علاقات استراتيجية طويلة الأجل معها، ولا يمكن إغفال هذه العلاقات أو تجاهلها، مؤكدًا في الوقت نفسه أن التعاون التجاري والتكنولوجي والعسكري مع الصين يظل حقًا لمصر لتحقيق الفائدة والميزة النسبية.

وأشار إلى المناورات الجوية التي أعلن عنها مؤخرًا بين الصين والقوات الجوية المصرية، معتبرًا أن تنوع العلاقات مع القوى الدولية يتيح لمصر عدم الخروج عن إطار سياسة التوازن وعدم التبعية لدولة أو قوة واحدة في العالم.

وأكد أن الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية المصرية الأمريكية أمر مهم، بالتوازي مع تنمية العلاقات التجارية والعسكرية والتكنولوجية مع الصين وغيرها من دول العالم.

توقعات بإعلانات مهمة خلال الزيارة

وقال الشريف إن توقعاته تشير إلى أن الزيارة، حال إتمامها، ستشهد الإعلان عن عدد كبير من المشروعات ومجالات التعاون المختلفة، موضحًا أن بعض هذه المجالات معلن بالفعل، بينما قد يكون بعضها الآخر غير معلن، إلا أن هناك مجالًا واسعًا للتعاون بين البلدين.

التبادل بالعملات المحلية نقطة خلاف بين واشنطن وبكين

وتطرق الشريف إلى مبادرات الصين ودول «بريكس» المتعلقة بالتبادل التجاري بين الدول الأعضاء بالعملات الوطنية، دون اللجوء إلى الدولار، مشيرًا إلى وجود بعض الاتفاقات مع الصين بشأن ما يعرف بالصفقات المتكافئة في نطاق محدود من الصادرات.

وأوضح أن الولايات المتحدة الأمريكية تفرض ضغوطًا على هذه الإجراءات، خصوصًا فيما يتعلق بمحاولات تقليص الاعتماد على الدولار في التبادل التجاري.

وأضاف أن هذه المسألة تعد من النقاط الحساسة والحرجة التي يرى البعض أنها تمثل نقطة خلاف بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة الأمريكية والصين، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تقف خلفها دول الاتحاد الأوروبي، بينما تقف الصين خلفها مجموعة «بريكس».

تم نسخ الرابط