في مقاله المنشور على مدونته Gates Notes يقدم بيل جيتس قراءة واسعة لمستقبل الذكاء الاصطناعي، محذرًا من أنه قد يكون واحدًا من أكثر التحولات اضطرابًا في تاريخ البشرية. ولا يتعامل جيتس مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد تكنولوجيا جديدة، بل باعتباره تحولًا اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا قد يعيد تشكيل سوق العمل وموازين القوة. فهو يتوقع اختفاء عدد كبير من الوظائف، وزيادة عدم المساواة، وتطور أدوات الاحتيال والتضليل والهجمات الإلكترونية، وصولًا إلى احتمال تراجع قدرة البشر على السيطرة على التكنولوجيا نفسها. ولتجنب هذه المخاطر، يقترح جيتس إنشاء مؤسسات وطنية ودولية لتنظيم الذكاء الاصطناعي، وفرض نوع من الضرائب على الروبوتات، إلى جانب تخصيص بعض الوظائف للبشر وحدهم تحت فكرة "محجوز للبشر" خصوصًا الأعمال التي تتطلب الرعاية والتواصل الإنساني. لكن قراءة مقاله نقديًا تقود إلى سؤال أعمق: هل المشكلة الحقيقية هي اختفاء الوظائف بسبب التكنولوجيا، أم نظام اقتصادي ما زال يربط حق الإنسان في الدخل بقدرته على بيع وقته وجهده؟
المشكلة ليست الآلة.. بل من يملكها
إذا استطاع الذكاء الاصطناعي إنجاز مهمة في ساعة بدلًا من ثماني ساعات، فإن ذلك قد يعني زيادة هائلة في الإنتاجية، وليس بالضرورة كارثة اقتصادية. فالمشكلة لا تكمن في قدرة الآلة على أداء العمل، وإنما فيمن يملك هذه القدرة ومن يحصل على عوائدها. وهنا تكشف قراءة مقال جيتس عن قضية ربما تكون أكثر أهمية من حماية الوظائف نفسها .من يملك التكنولوجيا ؟ فالمستقبل لن يعتمد فقط على روبوت يحل محل عامل، بل على الشركات والأفراد الذين يمتلكون أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والرقائق، والبيانات والبنية التحتية التي سيعتمد عليها الاقتصاد الجديد. وإذا تركزت هذه العناصر في أيدي قلة، فقد لا يكون ما يحدث مجرد استبدال للعمال بالآلات، بل انتقالًا هائلًا للثروة والنفوذ من ملايين العاملين إلى عدد محدود من مالكي التكنولوجيا. أما "ضريبة الروبوتات " التي يطرحها جيتس، فتبدو أكثر تعقيدًا عند التطبيق: كيف نحدد الروبوت؟ وهل نفرض الضريبة على شركة تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقليل العمالة، أم على مستشفى يستخدمه لتحسين تشخيص الأمراض؟ وقد تؤدي ضريبة سيئة التصميم إلى إبطاء الابتكار ورفع الأسعار وتأخير استفادة المجتمع من التكنولوجيا.
"محجوز للبشر".. هل نحمي الإنسان أم الوظيفة؟
من أكثر أفكار جيتس إثارة للاهتمام اقتراح إبقاء بعض الوظائف "محجوزة للبشر"، خصوصًا في مجالات الرعاية. ويستند في ذلك إلى تجربة شخصية مؤثرة في رعاية والده، معتبرًا أن بعض الأعمال لا تتعلق بالكفاءة وحدها، وإنما تحتاج إلى حضور إنساني ومشاعر وثقة. لكن تحويل هذه الفكرة إلى سياسة عامة يطرح أسئلة صعبة: إذا استطاع روبوت تقديم الرعاية بكفاءة أعلى، وتكلفة أقل، وعلى مدار الساعة، فمن الذي يقرر أن الإنسان يجب أن يؤدي المهمة بدلًا منه؟ وهل نحافظ على الوظيفة لأن المجتمع يحتاج فعلًا إلى العمل البشري، أم لأننا لم نعرف بعد كيف نضمن للإنسان حياة كريمة من دون الحاجة إلى هذه الوظيفة؟ لذلك ربما يكون الحل الحقيقي ليس بناء جدار حول الوظائف البشرية، بل بناء اقتصاد يستطيع الإنسان أن يعيش فيه بصورة جيدة حتى عندما تقل الحاجة إلى العمالة. وهذا يتطلب تقليل ساعات العمل، وإعادة توزيع جزء من مكاسب الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي، والاستثمار في التعليم وإعادة التدريب، وربما التفكير في أشكال جديدة من ملكية رأس المال تجعل المواطنين شركاء في الثروة التي تنتجها الآلات، بدلًا من أن يكونوا مجرد عمال مهددين بالاستبدال.
الخطر الحقيقي ليس ذكاء الآلة.. بل قوة مالكيها
تكشف قراءة مقال جيتس أيضًا مفارقة تستحق التوقف: فجيتس نفسه أحد أبرز المستفيدين من الثورة التكنولوجية التي يناقش مخاطرها، وهو يعترف بوجود مصالح مالية تربطه بقطاع التكنولوجيا. وهذا الاعتراف يحسب له، لكنه يجعلنا أكثر حاجة إلى مساءلة افتراضاته. فحين يحذر أحد كبار المستفيدين من التكنولوجيا من آثار الثورة القادمة، يجب أن نسأل: هل نريد حماية الإنسان فعلًا، أم نريد فقط جعل الانتقال إلى النظام الاقتصادي الجديد أقل اضطرابًا؟
إن ضمان استفادة الجميع من الذكاء الاصطناعي لن يتحقق بالنوايا الحسنة للشركات أو بالاعتماد على "مسؤولية “المطورين وحدهم، بل يحتاج إلى إعادة توزيع القوة والثروة، ومنع احتكار البيانات والقدرة الحاسوبية والتكنولوجيا، وتوفير حماية حقيقية لمن يفقدون وظائفهم، بحيث لا تتحول عبارة "إعادة التدريب" إلى مجرد شعار بينما تختفي الوظائف من حولهم. فالذكاء الاصطناعي في حد ذاته ليس غنيًا ولا فقيرًا، ولا ديمقراطيًا ولا استبداديًا؛ إنه أداة. والخطر الحقيقي يكمن في اليد التي تملك هذه الأداة والقواعد التي تحكم استخدامها. فإذا نجحنا في توزيع مكاسبها، فقد يصبح الذكاء الاصطناعي أعظم أداة لزيادة الإنتاجية وتحسين الصحة والتعليم وتقليل الفقر. أما إذا فشلنا، فلن تكون المشكلة أن الآلات أصبحت أذكى من البشر، بل أن البشر الذين يملكون الآلات أصبحوا أقوى من بقية البشر.